السودان على مشارف عام الحسم

هو عام الحسم بالنسبة للسودان، حيث سيتوجه أبناء الجنوب لصناديق الاقتراع في استفتاء يتوقع الكثيرون أن يتمخض عن الموافقة على انفصال الجنوب عن الشمال. وقد تقرر إجراء استفتاء الانفصال ضمن بنود اتفاق السلام الذي أبرم عام 2005 لينهي 21 عاما من الحرب الأهلية بين الأغلبية المسلمة في الشمال والمسيحيين والاحيائيين في الجنوب، والتي راح ضحيتها نحو مليوني شخص وأجبرت أربعة ملايين آخرين على النزوح. الآن سوف يحظى الجنوب الذي يتمتع بالحكم الذاتي بما وصفه زعيمه الراحل جون جارانج "فرصة ذهبية" كي يصبح دولة مستقلة، رغم وجود مخاوف من امكانية أن يؤدي التصويت لتجدد الصراع. وبالرغم من المساعي الدبلوماسية المكثفة لضمان إجراء الاستفتاء بسلاسة، تبقى شكوك حول ما إذا كان الشمال بقيادة عمر البشير، الصادرة بحقه مذكرة اعتقال دولية ليواجه اتهامات بارتكاب جرائم جرب في إقليم دارفور المضطرب، سيسمح للجنوب بالانفصال أم لا. في تشرين ثان-نوفمبر الماضي تواترت التقارير على نطاق واسع عن ضربات عسكرية ينفذها الشمال على أراضي الجنوب، كما ترددت تقارير عن حشد قوات بطول الخط الحدودي. وهدد سياسيون في الشمال بعدم الاعتراف بنتائج الاستفتاء، فيما تحيط الشكوك بمدى الاستعداد لذلك الاستفتاء المقرر في كانون ثان-يناير المقبل ذلك أن الموعد الذي كان مقررا لتحديد مصير منطقة أبيي الغنية بالنفط والواقعة على الحدود بين الشمال والجنوب قد فات منذ زمن، وهو ما يزيد المخاوف من احتمال تجدد الصراع. لقد حذرت الحركة الشعبية لتحرير السودان، الحزب الحاكم في الجنوب، من احتمال إعلانها استقلال الجنوب من جانب واحد، إذا ما تم تأجيل الاستفتاء. وبحسب زعيم المعارضة الجنوبي لام أكول فإن التأجيل قد يؤدي إلى موجة عنف من قبل الجنوبيين. يقول أكول "التحدي الأكبر هو السيطرة على شعبنا..وقمع مشاعرهم حتى لا يكون هناك تحرك خارج الإطار القانوني ومقاومة التحركات أو البيانات الاستفزازية..لأن هذا هو أنجع وسيلة من جانب من لا يريدون الاستفتاء لعرقلته". لقد أشار تقرير حديث صادر عن "مجموعة الأزمات الدولية" إلى أن التركيز على ضمان إجراء الاستفتاء في موعده أدى إلى ترك الكثير من القضايا الخطيرة التي سوف تحدد مستقبل السلام بين الشمال والجنوب دون حسم. من بين القضايا القائمة، مشكلة كيفية تقاسم عوائد النفط المستخرج من الحقول الواقعة على الخط الحدودي بين الشمال والجنوب والذي لم يتم الانتهاء من ترسيمه بعد، وما إذا كان الجنوبيون الذين يقيمون في الشمال سيحصلون على حق المواطنة في الشمال أم لا، وكيف سيحقق الجنوب الانتقال لنظامه النقدي الخاص. إن اندلاع الحرب الأهلية من جديد ستكون له آثار مدمرة. لقد خلص تقرير حديث لدار استشارات "فرونتيير إيكونوميكس" إلى أن تجدد الصراع في السودان قد يكلف الدولة ودول الجوار والمجتمع الدولي نحو مئة مليار دولار خلال عشر سنوات. حتى إذا تقبل الشمال نتائج الاستفتاء، سيبقى على الجنوب بناء دولة من لا شيء وسط انقسامات عرقية. وتهيمن على الجنوب قبيلتان هما الدينكا والنوير. وتسيطر الدينكا على معظم المناصب الحكومية. وكما قال أحد كبار المسؤولين عن الشؤون الإنسانية:" الشيء الوحيد الذي يبقي الجنوب متماسكا هو الاستفتاء". إذا ما سارت الأمور وفق المخطط، فسوف يحصل الجنوب على استقلاله في التاسع من تموز-يوليو 2011. وخلال الفترة من شباط-فبراير موعد إعلان نتائج الاستفتاء واحتفالات تموز-يوليو، ستجتمع أحزاب الجنوب السياسية في مؤتمر لصياغة دستور والاتفاق على تشكيل حكومة مؤقتة. وقال كليمنت جوما قائد أحد الأحزاب الصغيرة، إن هذا المؤتمر سيكون حاسما. وقال جوما "هذا المؤتمر الدستوري سيناقش قضايا مرحلة ما بعد الاستفتاء..ما شكل الحكومة التي سنحظى بها..شكل الدستور ومن الذين سيتولون المناصب وما هي المناصب المعينة التي سيتولاها كل منهم". سيطلب من الحركة الشعبية التخلي عن بعض نفوذها. وستحدد كيفية تعاملها مع مطالب تقاسم السلطة بصورة محدودة عدد المقاتلين الساخطين الذين سيحتفظون بأسلحتهم ويعودون للغابات مجددا. تقول كلير مكيفوي التي تدير التقييم الأساسي للأمن الإنساني التابع لمشروع مسح الأسلحة الصغيرة في السودان، إن حكومة الجنوب أمامها طريق طويل قبل أن تتمكن من التعامل مع أي اضطرابات محدودة قد تنشأ. تقول ماكفوي "إن الأوضاع الأمنية في بقاع عديدة من جنوب السودان خطيرة للغاية..ستظل كذلك في ظل عدم وجود قوات شرطة محترفة وفاعلة ومتعلمة ومجهزة..وهو ما سوف يستغرق سنوات..إن لم يكن عقودا..لتحقيقه". بالرغم من ذلك، تجد الأمل طاغيا في الجنوب. لقد تعرض القادة في الجنوب لاننتقادات حادة بعد الحرب الأهلية لانهم سارعوا لنهب عوائد النفط. ومنذ ذلك الحين بدأت بعض التحسنات في الظهور، وأصبحت الحكومة المركزية تؤدي دورها بفعالية معقولة. مشكلة أخرى ستبرز على السطح، تتمثل في تراجع مستويات التنمية منذأيام الاستعمار البريطاني. وقدرت الأمم المتحدة أن نسب الأمية بلغت 85 بالمئة بعد الحرب، وعدد المدارس العاملة محدود كما انك لن ترى طرقا ممهدة خارج حدود العاصمة جوبا. الخلاصة أنه بغض النظر عما سيسفر عنه استفتاء كانون ثان-يناير فإن جنوب السودان ستكون أمامه رحلة طويلة وشاقة كي يتجاوز ماضيه المضطرب