الجاليات الإسلامية في العالم

مفكرة الإسلام : تتوزع الجاليات الإسلامية على كثير من دول العالم، وقد يَعجب المرء إذا قلنا إن عدد مسلمي هذه الجاليات يزيد على أربعمائة مليون نسمة من أصل التعداد الكلي للمسلمين في العالم الذي يبلغ حوالي مليار وثلث.ولهذا العدد الكبير أهمية كبيرة بالمنظور الاستراتيجي للطاقة البشرية، لا سيما وأن نسبة منها لا يستهان بها قد اكتسبت علومًا ومعارف متنوعة بحكم اختلاطها بالأمم والمجتمعات المتعددة، ومعرفتها لمواطن القوة والضعف فيها.وإذا ما عرفنا أن الهند وحدها يوجد فهيا أكثر من مائة وخمسين مليون مسلم، والصين الشعبية يوجد فهيا قرابة مائة مليون مسلم، إضافة إلى أكثر من سبعين مليون مسلم في قارة إفريقيا، مرورًا بحوالي ستين مليون مسلم في أوروبا وأمريكا وأستراليا، أقول: إذا ما عرفنا وجود هذه الجاليات الإسلامية الكبيرة الموزعة على كثير من دول العالم أيقنا مدى الأهمية البالغة لهذه الجاليات والآمال المعقودة عليها في المستقبل حتى وإن كان الكثير منها يعيش في ظروف صعبة ويتهدد البعض منها مخاطر جمة نتيجة العدوان عليها، وإهدار حقوقها، والعمل الدؤوب على طمس هويتها، بل والتطهير العرقي الذي يمارس في الخفاء ضد بعضها.مشكلات الجاليات الإسلامية في أوروبالقد حصلت الجاليات الإسلامية في أوروبا على كثير من الحقوق التي كانت تفتقدها في مواطنها الأصلية التي هاجرت منها، كما حصل الكثير منها على جنسية الدول التي يقيمون فيها بحيث أضحوا جزءًا من نسيج تلك المجتمعات.ولئن حصل هؤلاء على مستوى معيشي جيد، ورعاية صحية كاملة، وأتيح لهم التعليم في مختلف المستويات، وممارسة حرية التعبير كأهل البلاد الأصليين، إلا أن هناك مشكلات جمة تواجههم، وصعوبات عديدة تعترضهم، نجملها فيما يلي:1ـ عدم الاعتراف الرسمي بالإسلام:ففي غياب هذا الاعتراف السياسي يفقد المسلمون حقوقًا تتصل بهويتهم الإسلامية، مثل حقهم في تعلم اللغة العربية والتربية الإسلامية في المدارس الحكومية، وحقهم في وجود مقابر خاصة لدفن موتاهم، وحقهم في تولي بعض المناصب العالية في الدولة وحقهم في قانون الأحوال الشخصية.إن فقد هذا الاعتراف يعرض هويتهم للخطر، ومستقبلهم للضياع إن لم تتعهدهم العناية الإلهية بالحفظ، ثم المؤسسات الإسلامية والعلماء والدعوة بالتعلم والتذكير والدعوة.2ـ الذوبان في المجتمعات غير الإسلامية:لقد أعدت الدول الأوروبية وغيرها خططًا محكمة لصهر المسلمين لديها في مجتمعاتها، وأطلقت على ذلك: الدمج الاجتماعي، ما يعني فقد الهوية الإسلامية لدى الجاليات الإسلامية، وهذه مشكلة ترجع خطورتها لأسباب متعددة من أهمها:أ ـ عدم وجود الحصانة الدينية اللازمة، والثقافة الإسلامية الكافية لدى الكثير من هؤلاء الناس، فيتأثرون بالأوضاع السائدة في تلك المجتمعات ويتطبعون بقيمها وأخلاقها، يتجردون شيئًا فشيئًا من المبادئ والأخلاق الإسلامية، ثم يذوبون كليًا أو جزئيًا في المجتمع الذي يعيشون فيه.ب ـ كما أن فريقًا منهم يصاب بالانبهار الحضاري لما يرى من تقدم تلك الأمم في العلوم والفنون، وتنظيم شؤون الحياة، وما يلحظه من إنجازات عظيمة كانت من أعظم ما وصل إليه العقل البشري حتى هذه الأيام، فتتضاءل أمته بتاريخها وأصالتها، بل ودينها في نظر هذا الفريق من الناس، فيقلدون تلك المجتمعات بخريها وشرها، وقد يغيرون أسماءهم، ثم يذوبون ذوبانًا كاملاً.ج ـ وهناك سياسة الدمج الاجتماعي التي سبقت الإشارة إليها، وتهدف في حقيقة الأمر إلى سلخ تلك الجاليات عن دينها وهويتها وإن لم تُظهر نفسها بهذا الشكل.إن إلزام الرجل والمرأة بالعمل والدراسة في أجواء لا تتناسب مع قيمنا هو واحد من بنود هذه السياسة، وإلزام الأسرة بإلحاق الأطفال الصغار بدور الحضانة، وتغذيتهم بروح المجتمع وعاداته وثقافته بند آخر من بنود هذه الثقافة، بل هو أخطر هذه البنود، حيث يترك هؤلاء الأطفال من الصباح الباكر وحتى عودة الآباء والأمهات من أعمالهم التي ألزموا بها بأيدي كادر تعليمي يعرف مهمته تمام المعرفة، وخلال ذلك تتم عملية التشكيل كما يريد هؤلاء.3ـ الفرقة والاختلاف:لقد نقلت الجاليات الإسلامية من بلادها خلافاتها المذهبية، وصراعاتها الحزبية، وجعلت أجواء الحرية المتوفرة في بلاد المهجر الفرصة سانحة لإعلان المواقف، وتوزيع الكتب والنشرات، مما وسع الهوة وزاد في حدة الخلاف.والحركات الإسلامية ـ التي يُفترض أن تكون أمل الأمة، وواسطة العقد التي تلتقي حولها ـ جماعاتُها متفرقة فيما بينها، ليس لها اتحاد يضمها، ولا قيادة واحدة تجمعها.4ـ بروز جماعات الغلو والتطرف:مما يؤسف له تبني بعض الجماعات أو الأفراد لهذا الأسلوب المنافي لسماحة الإسلام، بسبب غياب الفقه الراشد عن أذهانهم نتيجة فقر البيئة الأوروبية بالعلماء، ولأسباب أخرى أفرزها تعصب ذميم من هنا أو هناك، وقد نجم عن ذلك وضع الإسلام والمسلمين في دائرة الضوء، فتضاعفت مشاعر التعصب والكراهية ضد المسلمين عمومًا، وارتفعت أصوات تنادي بطردهم من أوروبا، وفُرضت قوانين جديدة ما كانت قبل ذلك.5ـ غياب المرجعية الإسلامية:إن غياب الفقه القويم، والوعي السليم أدى إلى اختلافات في الرؤى جعلت التوافق بين جميع الأطياف الإسلامية أمرًا صعبًا.ونتيجة لذلك بات لكل مؤسسة إسلامية فكرها الذي تستقل به عن غيرها، وفي ظل هذه الفرقة غابت الوحدة عن عملها، وافتُقد التنسيق فيما بينها إلا في أضيق الحدود. وفي ظل هذا الوضع أيضًا فقدت الجاليات الإسلامية المرجعية الدينية التي ترجع إليها في فتاواها، وتركن إليها لحل مشاكلها.6ـ غياب الزعامة السياسية:تقوم الأحزاب السياسية في المجتمعات الغربية بالتنافس السلمي للحصول على أصوات الناخبين، وتطبيق برامجها السياسية التي فازت بموجبها. ورغم أهمية هذا الأمر إلا أن المسلمين في تلك البلاد يفتقرون إلى حزب سياسي يتبنى مطالبهم، ويحصل لهم على حقوقهم.إن وجود زعامة سياسية للمسلمين تجعل الأحزاب السياسية تخطب ودها للحصول على أكبر عدد من أصوات الناخبين يُمكّن الحزب الفائز من تشكيل الحكومة، وتسيير دفة الحكم. ولو وُجد حزب سياسي إسلامي بزعامة حكيمة يعقد مع الأحزاب الأخرى اتفاقيات، ويقيم تحالفات لتحققت للمسلمين في تلك البلاد حقوق أكثر بكثير مما هم عليه الآن.7ـ غياب القوة الاقتصادية:إن العامل الاقتصادي أمر في غاية الأهمية، تقوم من أجله صراعات، وتنشب في سبيله حروب، ويتم من خلاله الضغط على السياسيين والتأثير في سياسة الحكم.وقد استطاع اليهود بهذه الوسيلة وغيرها من الوسائل التأثير في السياسيات الأمريكية والأوروبية لإمساكهم بزمام القوة الاقتصادية.أما المسلمون في أوروبا وأمريكا فليس لهم قوة اقتصادية مؤثرة، لهذا فقدوا التأثير السياسي والإعلامي، فضلاً عن الاقتصادي الذي نحن بصدده الآن.8ـ غياب الوسائل الإعلامية:لقد بات الإعلام في هذه الأيام سلاحًا فعالاً في تشكيل العقول، وتغيير القناعات، وحشد الطاقات. وتمكنت بعض الدول بواسطة إعلامها القوى من قلب الحقائق، وترسيخ الأباطيل على أنها حق لا ريب فيه.فهدم البيوت حتى فوق أصحابها صار مشروعًا بفعل الآلة الإعلامية، وقتل النساء والأطفال صار مبررًا ما دامت وراءه طبول إعلامية، وقهر إرادة الشعوب واحتلال أراضيها ونهب خيراتها صار مقبولاً ما دامت وراءه عقول إعلامية محترفة تعمل على تشكيل قناعات الناس. بل إن هناك انتصارات عسكرية تحققت بفعل هذه الآلة الإعلامية قبل أن يفتك السلاح بالخصم، ويريق شلالات من الدم، ويحيل الأجساد إلى قطع متناثرة من اللحم.أما المسلمون رغم ملياراتهم فهم كالأيتام، حيث إنهم لا يملكون شيئًا مذكورًا من وسائل الإعلام، فليس لديهم وسائل مرئية ولا مسموعة ولا مقروءة تصدر بلغة القوم، وتساعد على معرفة الحقائق، والتأثير في الرأي العام.حتى المجلات التي تصدر هناك باللغة العربية فإنها تستدعي الشفقة، فهي شهرية لا تواكب الأحداث، بل ولا تعتني بالسياسة العالمية إلا بعبارات نادرة لا تسمن ولا تغني من جوع، زد على ذلك تقوقعها في حدود ضيقة جدًا داخل الجالية العربية، ومعاناتها من مشكلات مادية تجعلها تئن تحت وطأتها وتستصرخ.وتتفاقم المشكلة إذا علمنا أن الإعلام الغربي يظلم المسلمين فيبخسهم حقوقهم، ويضخم أخطاءهم، ولا ينشر آراءهم ومقالاتهم، ويتم ذلك كله في الوقت الذي لا نجد فيه وسيلة إعلامية حتى لو كانت متواضعة تدافع عنهم، وترد على ما يكتب ضدهم.9ـ تفاقم المشكلات الاجتماعية:إن الحياة التي يعيشها المسلمون في أوروبا في ظل القوانين التي صاغها الأوروبيون بما يتناسب مع ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم تصطدم في بعض تفاصيلها مع عقيدتنا وعاداتنا وتقاليدنا، وكثيرًا ما يلجأ أحد الزوجين إلى هذه القوانين إذا ما شعر أنه المستفيد منها، حتى ولو كانت مخالفة لدينه ومبادئه، وهذا ما يؤدي إلى إشكاليات كثيرة لا سيما في مجال الأسرة.10ـ بروز المشكلة الثقافية:تعاني الأجيال المسلمة في أوروبا من هذه المشكلة، لأنها تتلقى تعليمها في مختلف المراحل في أجواء بعدية عن الالتزام الإسلامي. ومما يزيد المشكلة تعقيدًا غيب التوجيه الديني، والإرشاد الخلقي، وإذا ما أضيف إلى ذلك غياب الرعاية الأسرية، انقلب هؤلاء إلى كتلة متفجرة من الشر، تمارس الفساد، وينتحل بعضها الإجرام.ويحاول المهتمون بأمور المسلمين في الغرب علاج المشكلة الثقافية عن طريق افتتاح مدارس رسمية تتلافى ثغرات المدارس الحكومية، لكنها لا تسد الحاجة لقلة عددها، وضعف كفاءتها، ولأنها ـ في الغالب ـ لا تتعدى المرحلة الإعدادية.هذه نفثات مصدور كتبت بعجلة المستوفز، ولا أزعم أنه قد حصرت أفكار هذا الموضوع واستقصت عقباته، ولكنها سلطت الأضواء على أبرز عناصره الخطيرة التي تحتاج منا إلى دراسة متأنية، وتخطيط مكافئ، حتى نحافظ على وجودنا الإسلامي، وهويتنا الإسلامية.