جحيم المهاجرين السريين بفرنسا يحاصر مبادئ ثورتها بحقوق الإنسان

يواجه المهاجرون السريون إلى فرنسا جحيما، لا تكشفه منظمات حقوق الإنسان فحسب، وإنما الصحافة كما جاء في شريط نشرته جريدة ليبراسيون الفرنسية ذات التوجه اليساري، عن وضعية هؤلاء المهاجرين. الشريط صور من طرف موظف في شرطة الحدود في مدينة مايوت، وحصلت على نسخة منه ليبراسيون، ليكشف عن واقع لا إنساني يعرفه مركز حجز المهاجرين السريين في مايوت.وعلقت الصحيفة الفرنسية عن هذا الحدث، بقولها :إن هذا المركز لا يليق بالجمهورية الفرنسية. فمبادئ الثورة الفرنسية الداعية كما هو معروف، إلى احترام حقوق الإنسان والتي يختزلها شعار الجمهورية في ثلاثي أساسي: حرية، أخوة و مساواة.ترى كيف تحول بلد الأنوار وحقوق الإنسان إلى فضاء لظروف لا إنسانية يعيش فيها مهاجرون أغلبهم هرب من الفقر و الجوع و الحرب بحثا عن وطن بديل ؟مراكز الحجز.. نقطة سوداء في فرنسا وبالرغم من أن مركز الحجز مايوت يسع لـ 60 مهاجرا، فإنه يضم أكثر من 100 مهاجر، و أحيانا يصل العدد إلى 200 مهاجرا ، يتكدسون داخل غرفة قذرة ومغلقة بإحكام، تنعدم فيها الشروط الصحية في انتظار طردهم إلى بلدانهم. عدد من المهاجرين المحتجزين أغلبهم أفارقة ، و كما ظهر في الشريط، رفضوا الظهور أمام الكاميرا وبدأوا يصرخون… و على بعد أمتار من القمامات، ترقد أعداد من النساء رفقة أطفالهن الذين يبكون ويصرخون.الواقع المزري لمراكز الحجز الفرنسية، حيث يقبع المهاجرون السريون ،عبر عنه بجلاء الموظف الذي قام بعملية تصوير الفيلم، و الذي قال "إن مركز الحجز مايوت، لا يتوفر إلا على 60 فراشا فقط ، أما الحمامات فهي شفافة ، و ليس هناك مراحيض مخصصة للأطفال و النساء ".تصريحات أحد العاملين في مركز الحجز في مايوت رفض الإدلاء باسمه، ترفع اللثام عن حقيقة موجعة يعيشها المهاجرون السريون في فرنسا . "ففي بلد الأنوار يعامل المهاجر السري بطريقة مذلة و كأنه حيوان . وبناء على منطق التراتبية في الوظائف، نحن نخضع للأوامر. فالعام الماضي سجل طرد 16 ألف مهاجر سري، و نفس العدد ينتظر نفس المصير هذا العام".وضعية السجون الفرنسية مأساوية وضعية مراكز الحجز في فرنسا لا تخرج عن نطاق واقع وضعية السجون الفرنسية. وواقع هذه الأخيرة، كشف عنه شريط آخر مدته في ساعتين و نصف، نشرته جريدة لوموند المعروفة، وقام بإنجازه معتقلون في سجن فلوري ميروغي بواسطة كاميرا خفية . و قام المصورون بتسجيل أغلب لحظاتهم اليومية، كما كشفوا عن معاناتهم في المعتقل المكتظ بالمعتقلين. الشريط عرى عن حقيقة العنف، والضغوطات التي يتعرض لها المعتقلون داخل الزنازين و على رأسها حرمانهم من الهواتف الخلوية و هو الأمر الذي يدفعهم إلى إدخال هواتف بطريقة غير شرعية.الشريط يظهر أيضا كيف يعمل المعتقلون على إخفاء المراحيض بواسطة المناشف حفاظا على حميميتهم. وسيقوم لاحقا المخرجان كريم بلزعر و عمر داوسون، بمعالجة صور الشريط، و إخراج فيلم وثائقي حول واقع السجون الفرنسية .واقع السجون في فرنسا، لا تتحدث عنه الصحافة الفرنسية بموضوعية. فحسب تصريح أحد المعتقلين الذين قاموا بانجاز الشريط، رافضا الإدلاء باسمه، " تقوم إدارة السجون في فرنسا بالإعداد سلفا، ظروف التصوير أمام الصحافيين، الذين لا يجدون أمامهم سوى بناية السجن، والوضعية الجيدة التي يعيش فيها المعتقلون.هل تريد أوروبا التخلص نهائيا من المهاجرين ؟حكاية مراكز الحجز في فرنسا تثير قضية أساسية، تهم كل مراكز الحجز الأوروبية التي تأوي المهاجرين السريين. فهل بات زمن طرد المهاجرين نهائيا و بالجملة من أوروبا وشيكا ؟ سؤال بدأ يطرحه المراقبون ونشطاء حقوق الإنسان في القارة الأوروبية .وتؤكد تصريحات المسؤولين في بعض الحكومات الأوروبية، بأن حبل الهجرة سيتقطع قريبا . فوزير الهجرة والهوية الوطنية الفرنسي بريس هورتفو، سبق و أن قال في تقييمه لحصيلة عمله الوزاري "إن نسبة طرد المهاجرين غير الشرعيين من فرنسا في تصاعد مستمر ، حيث ارتفعت من 31 في المئة عام 2007 إلى 80 في المئة في بداية هذا العام ". الوزير الفرنسي يضيف مفتخرا " أن بلاده طردت 14666 ألف مهاجر منذ فاتح يناير المنصرم. فرنسا بدأت تشجع الهجرة المقننة كبديل عن الهجرة غير الشرعية، حيث ارتفع عدد الأجانب الذين قدموا إلى فرنسا بطريقة قانونية بنسبة 36.7 في المئة ."وتأتي إجراءات الحكومة الفرنسية ضد المهاجرين غير الشرعيين، في سياق سياسة الإتحاد الأوروبي لتشديد الخناق على الهجرة السرية. وفي هذا الإطار، صادق النواب الأوروبيون على مشروع قانون يضع معايير مشتركة لتسهيل ترحيل الأشخاص المقيمين في بلدان الاتحاد الأوروبي الـ27 بشكل غير قانوني، وذلك في وقت تشهد المنطقة تزايد المشاعر المعادية للمهاجرين. وقد تبنى أعضاء البرلمان الذي يوجد مقره بمدينة ستراسبورغ الفرنسية ذلك المشروع، رغم ما أثاره من الانتقادات.وقد خلف قرار البرلمان الأوروبي احتجاجات أمام مقر البرلمان، قام بها عدد من نشطاء المجتمع المدني و أعضاء البرلمان الأوروبي المنتمين إلى أحزاب الخضر واليسار، على القوانين الأوروبية التي أطلقوا عليها اسم إجراءات العار .واتهم رئيس الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان ، سياسة الإتحاد الأوروبي إزاء المهاجرين ، قائلا : "إن مصادقة النواب الأوروبيون على المشرع الأوروبي، يريد أن يفهمنا أن المهاجرين ليسوا بشرا كالآخرين لهم حقوق و عليهم واجبات " .