ضعف الأنظمة سر تعثّر مؤسسات العمل العربي

التكامل المؤجّل
مع اقتراب كل قمة تجمع زعماء بلاد العرب، أو حلول نكبة مفاجئة، كاحتلال قطر وإسقاط نظامه، أو تهديد آخر واستباحة سيادة ثالث، يتصدر معجم من الألفاظ أفواه المسؤولين العرب، وخصوصا المسؤولين بالجامعة العربية، يتعلق بحديث لا يتوقف عن العمل العربي المشترك، والتعاون العربي، والتكامل العربي وغيرها من الألفاظ ذات الدلالة نفسها، ولكن عندما ينفض الاجتماع أو تنجلي تلك المصيبة، تبقى تلك الألفاظ مجرد ألفاظ لا حياة فيها وتدرج بأرشيف "بيت العرب"، حتى أنه ليخيل أن كل البيانات العربية في هذا المجال مكررة منذ 65 عاما، ورغم طول تلك المدة فإن ما يقال في كل مرة لم يكبر ليصبح مبادئ حية يمكن أن يوثق بها، أو بمن يتلفظونها.ربما ما يدفع أي واحد منها إلى اتخاذ هذا الموقف القاسي، هو ما نلاحظه فعليا من انعدام أي نبض في ما يسمى العمل العربي المشترك، فهذا العمل رغم تجاوزه الستة عقود فهو مازال يبحث عن المجال الذي يمكن أن يتحرك فيه بفاعلية وهو ما يوحي بأن التعاون العربي الفعلي لم يحدد أو لم يتبع القوانين التي تسمح له بأن يكون فاعلا ومضيفا للكل.ويجب التفريق عند الخوض في الملف، فالعمل العربي في الواقع هو عملان، عمل الأنظمة العربية المشترك، وعمل الشعوب المشترك، ولم يتحقق ما جرى ويجري غير "صغائر الأمور" أما العظائم فلم تتحقق لنا بينما نراها تتجسد بين أمم أخرى مختلفة الألسنة والأديان والثقافات.وليس من باب النكتة التأكيد أن الأنظمة العربية فيما بينها هي أكثر تقدما من شعوبها، فتعاونها واضح وعملها من أجل ما يرسخ حكمها يتطور من عام إلى آخر، وربما من شهر إلى شهر، أما من جهة الشعوب فهذا التكامل ليس سوى أسطورة لا توجد إلا في خيال الحالمين، فحال هذه الشعوب يسوء من يوم إلى آخر، ولينظر أي منا كيف يعامل هذا المواطن العربي في بلد شقيق ثان، وأصبحنا لا نستغرب أن يشن هذا البلد حملة شعواء على أشقائه من البلد الآخر، أما إذا كان الخلاف بين النظامين، فإن الشعوب هي التي تدفع الثمن، تماما مثلما حصل مؤخرا بين مصر والجزائر بسبب مباراة لكرة قدم، وهذه الأزمة لم يفجر شرارتها الشعب، بل النظامان الذين أراد كل منهما أن يستثمرها لصالحه، وهذا بحد ذاته وجه ضربة موجعة لأي تعاون عربي، وعوض أن يقرب كرس القطرية والشوفينية الضيقة، وقدم صورة للعالم مفادها بأن هذه الأمة لا شيء يجمعها، وأن مستقبلها الفرقة والتشرذم لا الوحدة والتقارب وأي عمل أو تعاون.الصورة المقدمة عن المستقبل، ليس سببها الحاضر فقط، فحصيلة العقود الماضية، خير برهان على هذا الحكم، عندما نقارن مثلا ما تحقق بين أمم كانت قبل 60 عاما تقف على عداوة مقيتة، وبين ما تحقق للعرب وهم أمة واحدة نجد الرصيد صفرا، ولا نرى أي أمل يلوح لتغيير هذه الصورة، على الأقل في المدى المنظور.ويبدو أنه كلما تحدثنا عن أي شيء عربي مشترك تغلب علينا النزعة العاطفية ونبدو وكأننا نستعيد امجاد الحماسة القومية التي يعتبرها من يسمون اليوم بالعقلانيين ضربا ً من الخيال .وفي سياق التفكير في حال التكامل العربي ثمة نموذجان جديران بالإشارة، في ضوء تجارب التكامل الدولية، يتعلق الأول بـ "الإتحاد الأوروبي"، في حين يخص الثاني "رابطة دول جنوب شرقي آسيا" "الآسيان". فعلى الرغم من اختلاف الجغرافيا، والسياق التاريخي، وفلسفة التكامل، وأوزان الدول، تمكنت التجربتان من الارتقاء التدريجي في سلم تحقيق النتائج ومراكمة المكتسبات، بل تمثلان، بمقاييس التكامل الإقليمي الدولي، مرجعيتين للمقارنة والاستئناس والاسترشاد. فهكذا، يشترك النموذجان في كونهما تكوَّنا في سياق البحث عن مصادر القوة، إما لبناء الدول التي دمرتها الحرب، كما حصل في أوروبا ما بعد 1945، أو لتشييد كيانات خرجت على التوِّ من ليل الاستعمار الطويل، كما كان حال بعض دول "الآسيان"، وهما معاً يلتقيان في الدعم الدولي، والأميركي على وجه التحديد، حيث رَصَدت الولايات المتحدة الأميركية مشروعَ " مارشال" لإخراج الاقتصاديات الأوروبية من نفق مخلَّفات الحرب، وخلقت بذلك دينامية حفَّزت الفضاء الأوروبي على إعادة اكتشاف ذاته، والأهم أيقظت وعيَ النخب والمجتمعات ووجهته صوب السعي إلى اكتساب القوة عبر التكامل والوحدة، فكانت معاهدة روما للعام 1958، التي دشنت تاريخ التكامل الأوروبي وآفاقه البعيدة.ومن الملاحظ أن تجربة "الآسيان"، التي انطلقت بموجب إعلان بانكوك لسنة 1967، ظلت ضعيفة حتى ما بعد منتصف السبعينيات، بسبب التوترات التي قَسمت دولها الخمس "اندونيسيا، ماليزيا، سنغافورة، الفيليبين، تايلاند"،غير أن انهزام الولايات المتحدة الأميركية في حرب الفيتنام "1974"، وخروجها من جنوب شرق آسيا، سيشحذان وعي دول هذه المجموعة ويدفعان بها إلى التفكير الجدّي في تقوية فضائها التكاملي، وهو ما تمَّ تجسيده في إنشاء الأمانة العامة للآسيان، وانعقاد أول قمة لدول هذه الأخيرة عام 1976. كما أن الولايات المتحدة نفسها ستحثُّ اليابان على تركيز استثماراتها في دول جنوب شرقي آسيا ونقل صناعاتها إليها، بُغية خلق حركة اقتصادية وتجارية داعِمة لهذه المجموعة التكاملية، ماساهمَ في النقلة النوعية التي عمَّت دول الآسيان، التي يصل رقم مبادلاتها البينية اليوم 25 % من إجمالي تجارتها الخارجية، وهو من أعلى الأرقام العالمية في خريطة التجارب التكاملية الدولية.ونحن لن ندخل في جدل سفسطائي حول واقع العمل العربي المشترك وما يتحقق في فضاءات أخرى، فمنذ قيام جامعة الدول العربية في عام 1945 وحتى يومنا هذا تأسس الكثير من المؤسسات والمنظمات التي تسعى وتعمل لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي، مثل مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، منظمة التنمية الزراعية، منظمة التنمية الصناعية، منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، صندوق الإنماء الاقتصادي الاجتماعي العربي، صندوق النقد العربي، كما تم توقيع عدد من الاتفاقيات بين الدول العربية مثل اتفاقية إنشاء السوق العربية المشتركة، اتفاقية النقل الجوي، وكذلك وضع عدد من الاستراتيجيات العربية التي تهدف إلى تطوير وتعميق التعاون العربي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، رغم أن هذه تبقى شعارات وأمنيات صعب تحققها بمقاييس الوضع الحالي.إلا أن ما هو متأكد، فهو أن قضيّة التّعاون والتّكامل السّياسي والاقتصادي بين الأقطار العربية تعد من القضايا الهامّة التي تثار حاليّاً وبشكل واسع على الصّعيدين النّظري والعملي، وعلى الصّعيدين الرّسمي وغير الرّسمي أيضاً، وإن هذا الاهتمام هو امتداد لمراحل سابقة، وسوف تبقى مستقبلاً المكانة نفسها، وذلك نظراً لضخامة الأخطار والتحديات التي تواجه الأمة العربية وأمنها القومي.وللمفارقة الكبيرة بين القدرات والإمكانات المتوفرة وخصائص الموقع الجيواستراتيجي، ولمظاهر الضعف والتشتت التي يشهدها الوطن العربي بسبب التجزئة القطرية واستمرارها وبروز مظاهر التباين ، ولاتساع الهوة في التفاوت التنموي، وتعميق التخلف وتجذر التبعية وتعدد مظاهرها من مظاهر سياسية واقتصادية وأمنية وغذائية.وقد جاءت المتغيرات التي شهدها المجتمع الدولي خلال السنوات القليلة الماضية لتزيد من تداخل العوامل السلبية المؤثرة على الوطن العربي من خلال تفتت الاتحاد السوفياتي وانتهاء توازن القوى الدولي المرتكز على القضية الثنائية، وبروز الولايات المتحدة الأمريكية القطب المهيمن في العالم، والذي رسخ من سيطرة الدول الغنية على العالم سياسياً واقتصادياً وفي مقدمتها الوطن العربي.
.
إن الظروف السابقة الموجودة في الوطن العربي، ونتائج المتغيرات الدولية القائمة مشكلتا معاً تهديدات مركبة للأمن القومي العربي، وإن هذه الحالة القائمة تتطلب فعلاً جماعياً قومياً يرتكز على جهد قومي بهدف تثوير القدرات والإمكانات وتفعيلها من المواجهة المستمرة، وإذا كان ذلك يتطلب قيام الوحدة العربية التي تنهي التجزئة، فإن قيام الوحدة في ظل الظروف الموضوعية القائمة غير ممكن في المدى المنظور.من خلال ذلك تبرز أهمية التعاون والتكامل الاقتصادي والسياسي على المستوى القومي في هذه المرحلة بهدف توطين مظاهر الخلاف والتباين، وتوسيع مظاهر التعاون والتكامل وترسيخها، وهو بذلك يحقق أهدافاً ومهاماً مركبةً ولكنها متكاملة.فالنظم السياسية العربية ذات خصوصية معينة مصدرها علاقة العروبة التي تجعل منها مجموعة متمايزة من التفاعلات السياسية التي تتم بينها، فقد ظهرت دعوات فكرية تدعو إلى الوحدة العربية وقامت حركات وأحزاب سياسية تبنت تلك الدعوات.. لكن ما يحدث الآن يجعل أمتنا العربية تواجه تحديات كبيرة بسبب الضعف الذي أصاب الأنظمة العربية جراء تبعيتها واستمرارها بالسير وراء القوى الكبرى المهيمنة على القرار الدولي وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، مما أدى إلى أن تمارس هذه القوى الضغط بكل أشكاله وأنواعه على تلك الأنظمة الضعيفة المتخاذلة لكي تعيق وتضعف قيام أي مشروع عربي مشترك من شأنه أن يتعارض مع تحقيق مصالحها وأهدافها في المنطقة، هذا مما جعل كل دولة عربية تريد الحفاظ على سيادتها واستقلالها غير مهتمه بمصلحة الأمة العربية إضافة إلى ذلك أن هذه الأنظمة وبسبب تركيبتها ظلت وما تزال الأنظمة تتسم بالدكتاتورية واستعباد الشعوب إلى جانب الفساد وغيرها من الأسباب التي أدت إلى تعثر برامج التنمية العربية المشتركة.ما تتعرض له اليوم الجامعة العربية من انتكاسات إنما يعود إلى عدم اقتناع الأنظمة العربية بضرورات العمل العربي المشترك الذي توفر جامعة الدول العربية إطاراً وقاعدة أساسية لتحقيقه إضافة إلى أن الجامعة العربية لا تمتلك سلطات وصلاحيات فوق قطرية تجعل قراراتها ملزمة لهذه الدولة أو تلك من أعضاء الجامعة وعبر سلسلة من آليات التسويف والمماطلة كما أنها لا تمتلك صلاحيات تنفيذية أو عقابية على غرار ما لدى المفوضية الأوروبية في بروكسل ومن هنا تكون قراراتها غير ملزمة للتنفيذ وتبقى حبراً على ورق على عكس المفوضية الأوروبية التي تمتلك حق فرض العقوبات على الدول التي لا تنفذ قراراتها فقد أضعفت تلك الممارسات للدول العربية الجامعة وجعلت النظر إلى العمل العربي الموحد أو المشترك شبه مستحيل وبالتالي أصبحت القدرة على تفعيل المشاريع الاقتصادية لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي المنشود الذي أنشئت من أجله الجامعة العربية مستحيلة.وللتاريخ فإن العمل المشترك بدأ بداية أمنية إقليمية عندما كانت فلسطين تدخل شيئا فشيئا تحت وضع الاحتلال، وكانت الدول المحيطة تشعر أنها معنية بالوضع الفلسطيني الجديد، مثلما كانت تبحث عن وضع من بعد الحرب العالمية الثانية وما أفرزته من تناقضات دولية بين المعسكر الغربي والمعسكر الاشتراكي الذي بدأ يتشكل وراء الاتحاد السوفييتي وتنافس شديد على المنطقة العربية، وأمام لهفة شديدة في العالم الغربي على البترول العربي.وتمكن لدى الدول العربية الشعور بان انضمام القوة العربية على بساطتها إلى بعضها البعض يمكن أن يحقق بعض القدرة على مواجهة التحديات الوافدة.ولان العمل المشترك اصطدم منذ البداية بالحرب العربية الإسرائيلية فقد أخذ بعدا أمنيا لم يستطع أن يتخلص منه واستمر البند الفلسطيني بندا مصاحبا للعمل ا لعربي المشترك منذ انطلاقه حتى الآن وكلما طرح وضع أمني في الدائرة العربية تأثرت به جامعة الدول العربية واعتمدته بندا من بنود أعمالها، ولم تخرج البرامج الاقتصادية والثقافية والاجتماعية عن ملاجئ حاولت جامعة الدول العربية أن تهرب إليها عندما أخفقت في دورها الأمني الإقليمي.وما نراه اليوم من تساؤلات حول السبل المجدية لتفعيل العمل العربي المشترك لا يعدو تكرارا لتساؤلات طالما طرحت منذ بدء العمل العربي المشترك في جامعة الدول العربية بدأت عندما حاول القادة المؤسسون أن يحسموا الأمر من خلال الربط بين الأمن والإنماء في معاهدة واحدة سميت معاهدة الدفاع والتعاون الاقتصادي، وكانت محطة أولى على صعيد الإصلاح وبلورة العمل العربي المشترك في المجال الدفاعي بعد الحرب التي اندفعت فيها الدول العربية عام 1948 دون إعداد ضد قيام إسرائيل.ومنذ أنشئت المعاهدة اصطدمت الدول العربية بكيفية تنفيذها، ودخلت حربيْ 1967و 1973 في مراوحة بين العمل الجماعي والعمل الثنائي والعمل الفردي إلى أن كانت اتفاقية كامب ديفد والتي حولت مسار العمل العربي المشترك الأمني من إقليمي إلى داخلي بعد أن خرجت اكبر دولة عربية من دائرة الصراع ولم تتمكن أي جبهة عربية أخرى من النشوء.يعاني العمل العربي المشترك، ممثلاً في مؤسسات تأتي على رأسها جامعة الدول العربية، من استعصاءات وأمراض مزمنة، ومع ذلك يبقى أن الأمل في التكامل العربي متوقفا على الشعوب لا الأنظمة الحاكمة، فالشعوب الواعية بذاتها وبمشكلاتها، والفاعلة تراكميا، هو ما سيدفع المجتمع والسلطة إلى طريق الوحدة بإعتبارها فالشعوب هي التي " تصنع وتنجز "، أما الأنظمة التي لا تعمل في ذلك الاتجاه فمآلها الاندثار والنسيان، مع عدم إغفال أن بناء الدولة القطرية على أسس صحيحة، سيكون مكسبا في المستقبل، فعندما تكون " الدولة القطرية "، دولة مؤسسات، فإن الأمر يختلف تمامآ، فالدولة القطرية المؤسساتية، الممثلة للشعب تمثيلآ صحيحآ وصحيآ ، سترى ومن خلال وظيفتها ومتطلباتها المجتمعية والتنموية والإقتصادية والسياسية والأمنية، ضرورة تحقيق تكتل أكبر وأكثر تأثيرآ وأشد نفوذآ، ماديآ وسياسيآ، وهذا يكفي للعمل الجاد والصادق " لدولة المؤسسات القطرية" هذه ، نحو تحقيق أشكال متراكمة ومتطورة للوحدة العربية والتكامل والتوافق.