هل تغيرت أولويات ورهانات واشنطن في التعامل مع إيران؟

وكانت الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الأخرى متخوفة من أن إيران تتقدم بسرعة في حيازة قدرات نووية، وأنه ما عاد من الممكن الاستبشار بتطور سياسي بطيء يقود البلاد نحو الديمقراطية.. ولكن احتجاجات المعارضة المستمرة، اضطرت الغربيين إلى إعادة النظر في تصوراتهم وتحليلاتهم، لأنه بدا أن الوتيرة الزمنية للنووي آيلة إلى الإبطاء، على الأقل إلى ما قبل اغتيال أستاذ الفيزياء، علي محمدي.. وفي المحصلة، يبدو أن الغربيين على استعداد لتحمل مخاطر الرهان على الجانب السياسي، في غياب حل دبلوماسي أو عسكري لمواجهة "التهديد" النووي الإيراني ..
يبدو أن الاحتجاجات والمظاهرات المتوالية لقوى المعارضة السياسية في إيران، أغرت واشنطن والأوروبيين بأولوية الرهان على التغيير السياسي، وهذا يعني أن القضية النووية ما عادت تمثل أولوية، بقطع النظر عن تأثيرات وتداعيات المقتل "اللغز" لأحد العلماء الإيرانيين في مجال الفيزياء النظرية، الباحث علي محمدي، أستاذ الفيزياء في جامعة طهران، إذ لا يمكن حاليا تحديد ما إذا كان الهجوم مرتبطا بالمشروع النووي، خاصة وأن أوساطا علمية في الداخل والخارج أكدت أن المقتول علي محمدي، متخصص في الفيزياء النظرية، ولم تكن له علاقة مع الفيزياء النووية، ولا يمكن القطع بهذا الأمر الآن، مع قلة المعلومات حول ملابسات العملية الأخيرة.
ولعل اللافت في حياته العلمية، هو إسهامه ومشاركته في مشروع بحثي إقليمي، مع غيره من الباحثين من إيران والكيان الصهيوني (وهذا يعد استثناء ومثار استغراب، بالنظر إلى العداء الإيراني للكيان الصهيوني) ودول مختلفة من المنطقة، ويطلق عليه اختصارا (SESAME)، مهتم بالعلوم التجريبية وتطبيقاتها في منطقة "الشرق الأوسط"، ومقره في الأردن، تحت رعاية الأمم المتحدة. ووفقا لعلماء إيرانيين وأجانب، فإن هذا المشروع يفترض أن تكون له تطبيقات في الصناعة والطب، وتكنولوجيا النانو، ومجالات أخرى لا علاقة لها بالحصول على الطاقة النووية، وكان آخر اجتماع للمجلس العلمي لهذا المشروع، عقد في شهر نوفمبر المنصرم في الأردن.
والزملاء الذين عملوا معه عن كثب، يصورونه بأنه عالم جاد، ولم يكن يهتم بالسياسة. في حين أن أحد مواقع المعارضة الإيرانية، نشر رسالة دعم لزعيم المعارضة مير حسين موسوي، وقع عليها 419 من الباحثين، ومن ضمنهم أستاذ الفيزياء المقتول، علي محمدي، وفي مثل هذه العمليات، والتصفيات، يحاول كل طرف في الداخلي توظيفها ـ سياسيا ـ بالشكل الذي يخدم توجهاته ويعزز مواقعه.
بينما تفيد صحيفة هآرتس اليومية الإسرائيلية، بأنه "من المرجح أن اغتيال العالم الإيراني، قد تم برعاية أولئك الذين يرغبون في تأخير البرنامج النووي الإيراني، وبالتحديد الحكومات الغربية، خاصة الولايات المتحدة وإسرائيل"، وتضيف: "احتمال تورط أجهزة الاستخبارات الغربية، أو الإسرائيلية، له ما يدعمه من سوابق وشواهد: إسرائيل قد فعلت ذلك في الستينات ضد العلماء الألمان، الذين عملوا في إنتاج الصواريخ المصرية، وكذا في السبعينات، حيث شن الموساد جملة تصفيات ضد مجموعة متنوعة من العلماء..".
ولا يتوقع أن تؤثر هذه العملية على الرهان الغربي ـ الأمريكي "الجديد"، إذ في بداية الاضطرابات الإيرانية، كان السؤال المطروح في واشنطن والعواصم الغربية، يتعلق بمدى سرعة الحكومة في إنهاء المظاهرات في مهدها: بضعة أيام أو أسابيع؟ ولكن بعد مضي سبعة أشهر، برزت تساؤلات جديدة: هل هذه الاضطرابات يمكنها أن تؤدي إلى جذري في النظام الإيراني؟ إلى أي مدى يمكن للنظام قمع هذا الغضب؟
ضخامة هذا التحدي، حيَر المراقبين. غير أن الاشتباكات الدامية في ذكرى عاشوراء، مثلت نقطة البدء في تغيير التصور، إذ، فجأة، اعتقد الغربيون أن إيران يمكنها أن تواجه ما يشبه سقوط جدار برلين.
وكانت الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الأخرى متخوفة من أن إيران تتقدم بسرعة في حيازة قدرات نووية، وأنه ما عاد من الممكن الاستبشار بتطور سياسي بطيء يقود البلاد نحو الديمقراطية. وبعبارة أخرى، فإن ساعة النووي كانت أسرع من الأحداث السياسية.
ولكن احتجاجات المعارضة المستمرة، اضطرت الغربيين إلى إعادة النظر في تصوراتهم وتحليلاتهم، لأنه بدا أن الوتيرة الزمنية للنووي آيلة إلى الإبطاء، على الأقل إلى ما قبل اغتيال أستاذ الفيزياء، علي محمدي. وقد أشارت تقارير في الأسابيع الأخيرة إلى أن بعض الساسة في الغرب، وحتى الإسرائيليين، اقتنعوا بأن الأعمال التي تقوم بها أجهزة المخابرات، كان لها أثر على المشاريع النووية في إيران. وفي هذا الصدد، نشرت صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا مقالا يستند إلى بيانات أدلى بها العديد من الإستراتيجيين الأمريكيين، مفادها أن اكتشاف موقع لتخصيب اليورانيوم في مدينة قم "قد أحبط أفضل فرصة سرية لإيران لإنتاج اليورانيوم المخصب اللازم للسلاح النووي"، وأن إيران "تحتاج سنتين إلى ثلاث سنوات لتكون أكثر قدرة نووية".
ويرى معظم المحللين الغربيين أن هناك جهودا تبذل في المجال العسكري الإيراني، لكنهم يعتقدون أن تطوير هذه البرامج قد تباطأ بشكل كبير. وفي ضوء هذه التطورات، تبرز أهمية تشديد عقوبات في نظر صانع القرار في العواصم الغربية الكبرى.
وفي المحصلة، يبدو أن الغربيين على استعداد لتحمل مخاطر الرهان على الجانب السياسي، في غياب حل دبلوماسي أو عسكري لمواجهة "التهديد" النووي الإيراني ..