مرة أخرى، استطلاعات الرأي الأمريكية تؤيد القتل في أفغانستان؟

وتأتي هذه النتائج المؤيدة لزيادة عدد الجنود في أفغانستان، لتثبت مرة أخرى هذه الصفة المشينة والمخزية للرأي العام الأمريكي في تبرير قتلنا وقتل جنودهم! وأن هذا الرأي العام لا يتعلم من أخطاءه، فهل عليه أن يمر بما مر به من مآسي في العراق حتى ينقلب هذا التأييد إلى رفض؟

في كتابه "شؤون استطلاعات الرأي: لماذا على القادة أن يستمعوا إلى حكمة الناس"، يذكر فرانك نيوبروت Frank New Port، كيف غضب بعض الأمريكيين من منظمة غالوب لاستطلاعات الرأي عندما نشرت نتائج تأييد الحرب على العراق في المراحل الأولى منها، على اعتبار أن هذه الاستطلاعات أسهمت في قتل الجنود الأمريكيين بذلك التأييد.
البعض اعتبر أن الاحتلال الأمريكي للعراق شذ عن هذا المسار الشعبي الأمريكي في تأييد الحروب من خلال ما رأينا من احتجاجات ترفض الحرب واستمرار تأييد احتلال العراق، وهو ما عكسته نتائج الاستطلاعات منذ سنوات حتى وصلت نسبة الرافضين للاحتلال ضعف المؤيدين، كما هو واضح في pollingreport.com، المختص في متابعة اتجاهات الأمريكي، وبالتالي فإن العراق قد شكل أنموذجا مختلفا لهذا المسار الدموي الأمريكي.
ودون تعقيد الموضوع بجداول وأرقام، نذكر ببساطة نتائج بعض استطلاعات الرأي في محطات زمنية مختلفة؛ لنرى ما أثبتته العديد من الدراسات، وتم تطبيقه على الحالة العراقية، كدراسة نسمة شرارة وغيرها من الباحثين، والتي أشارت إلى تأييد الرأي العام الأمريكي للصراع في بدايته أو عند تحقيق نصر، ثم لا يلبث أن يتناقص هذا التأييد عندما يطول النزاع وتزيد الخسائر.
في بداية الاحتلال في 2003 وما قبله، أشارت استطلاعات الرأي الأمريكية إلى تأييد الإدارة الأمريكية واستخدامها العمل العسكري، فقبل دخول العراق كان 83% من الشعب الأمريكي رافضا للتقرير الذي قدمه العراق في تأكيد خلوه من أسلحة الدمار الشامل، وتراوحت نسبة تأييد الحرب للإطاحة بنظام صدام، 62-66%، منذ البداية وحتى بدء الحرب، حسب ما تشير بنوك استطلاعات Polling Reports، وتأييد رئيسها في ذلك، حتى لو دخل في الحرب دون موافقة الأمم المتحدة، ثم ازدادت نسبة التأييد للرئيس أثناء الحرب لتصل إلى 75%، وهي استمرار لظاهرة تاريخية أمريكية في الالتفاف حول الرئيس في الأزمات.
وبعد سقوط بغداد، قدم أغلبية الأمريكيين تقييما إيجابيا للرئيس، واعتبروه قرارا صائبا بنسبة 76% (92% من الجمهوريين، و58 من الديمقراطيين )، وكشف 58% من الأمريكيين، أن الحرب لها تأثير إيجابي على الوضع الدولي للولايات المتحدة. وبقيت نسبة المعارضين أثناء الحرب وما بعدها محصورة في ما يقارب 15% فقط!!
وبعد أن امتد الصراع، وبدأ يتذوق المارد الأمريكي مرارة طول الأمد، وتكبد الخسائر، ومواجهة الصعوبات، ظهرت ملامح التحول في الرأي العام الأمريكي، وإعادة النظر، وتبددت الكثير من المسلمات أو الأفكار التي حازت على الأغلبية في الاستطلاعات السابقة، كالربط بين النظام العراقي والقاعدة، وأن النظام العراقي السابق شكل تهديدا للأمن القومي الأمريكي، وبدأت تنخفض شعبية بوش والثقة به، وانخفض تأييد طريقة بوش في إدارة الشأن العراقي إلى ثلاثة أضعاف، وزادت المطالبات بإعادة ترتيب الأولويات لدى المواطن الأمريكي؛ لتتراجع نسبة تأييد الحروب لمصلحة الاهتمام بالاقتصاد والشأن المحلي، وتنامى الخوف لدى 80% من الرأي العام الأمريكي من تورط الولايات المتحدة في عملية حفظ سلام طويلة ومكلفة في العراق!
وأكثر ما يُزعج في قرار أوباوما الأخير حول إرسال مزيد من الجنود الأمريكيين إلى أفغانستان، هو ذلك التأييد الشعبي لذلك كما بينته استطلاعات الرأي! ففي استطلاع غالوب، أيدت نسبة 47% زيادة القوات الأمريكية، سواء إلى ما يقارب 40 ألف جندي (37%) أو أقل (10%)، وربما لو كان ضمن خيارات السؤال، 50 ألف، لكان هناك نسبة مؤيدة أيضا.
وبغض النظر عن جدلية أن الرأي العام الأمريكي عامل تابع لوسائل التأثير المختلفة، كالإعلام وغيره، أو هو مستقل أو بينهما، فإن الرأي العام الأمريكي يؤيد الصراع في بدايته، ويزيد تأييده عند تحقيق النصر، ويلتف حول رئيسه أكثر في الأزمات، وربما يؤيد ويتلذذ في حال قيامه بضربة تاريخية قاضية، كما حدث مع اليابان.
وفي حال طال النزاع، وزهقت أرواح جنوده، وزادت خسائره؛ يتراجع عن مزاجه الحربي، ويقدم أولويات أخرى، وربما تكون هذه ميزة ليست فقط للرأي العام الأمريكي، بل عند أي رأي عام تشن دولته حربا ظالمة ومفتعلة.
وتأتي هذه النتائج المؤيدة لزيادة عدد الجنود في أفغانستان، لتثبت مرة أخرى هذه الصفة المشينة والمخزية للرأي العام الأمريكي في تبرير قتلنا وقتل جنودهم! وأن هذا الرأي العام لا يتعلم من أخطاءه، فهل عليه أن يمر بما مر به من مآسي في العراق حتى ينقلب هذا التأييد إلى رفض؟