بريطانيا والفرار من شبح حربها الأولي في أفغانستان

في عصر يوم‏13‏ يناير عام‏1842‏ كان الجو شديد البرودة امام اسوار حصن جلال اباد بأفغانستان‏,‏ الا ان ذلك لم يمنع افراد القوات البريطانية التي كانت تحتل الحصن من الوقوف فوق الاسوار مترقبين عودة رفاقهم الفارين من كابول بعد ان تأخر وصولهم‏..‏ وما هي إلا لحظات حتي ظهر حصان هزيل منهك في الافق‏,‏ ومع اقترابه في خطوات متمهلة اكتشف البريطانيون انه يحمل برايدون‏..‏ اخر بريطاني بين آلاف من البريطانيين والاوروبيين ممن فروا من كابول‏.‏كانت تلك الهزيمة كارثة تاريخية للإمبراطورية البريطانية خلدتها لوحة خالدة لليدي بتلر وهي اللوحة التي يضعها متخذ القرار البريطاني نصب عينه آملا في عدم تكرارها في افغانستان القرن الـ‏21.‏ لقد تعلم البريطانيون دروسا مؤلمة ومهمة من الحرب الافغانية الاولي والتي نشبت بين بريطانيا من جانب وافغانستان من جانب آخر خلال الفترة بين عامي‏1839‏ و‏.1842‏فالقوات البريطانية اقتحمت البلاد في القرن الـ‏19‏ من اجل تأمين مصالحها في الهند واستعانت بقوات هندية وبعض الاوروبيين وكانت الذريعة هي الإطاحة بالحاكم الأفغاني في كابول الذي كانت له ميول متناقضة مع مصالح الامبراطورية البريطانية وهو ما دفع لندن الي الاتفاق مع احد معارضيه المطالبين بالعرش الافغاني‏,‏ واستعانوا بالقوات المعارضة في اقتحام افغانستان‏.‏نجحت القوات البريطانية والقوات المتحالفة معها في احتلال المدن الافغانية الرئيسية مستغلة كافة الوسائل بما فيها الرشاوي والخديعة وسرعان ما دخلت كابول ونصبت الحاكم التابع لها‏..‏ إلا ان الافغان تحركوا سريعا وبدأت القبائل في الثورة ووجدت القوات البريطانية وحلفاؤها صعوبة شديدة في التنقل بين المدن وبين الحصون‏,‏ فقد شرع مقاتلو القبائل في قطع الطرق والامدادات‏..‏وسرعان ما ادرك البريطانيون انهم محاصرون داخل مواقعهم والمدن الرئيسية وفي المرحلة التالية بدأت الهجمات الخاطفة وحوادث الاغتيال داخل المدن مما دفع البريطانيين الموجودين في كابول الي التفكير في الانسحاب وبالفعل بدأ الانسحاب وكان هناك‏15‏ ألف فرد‏.‏ولأن القبائل الافغانية تعرف ارض بلادها وجبالها تمام المعرفة تم اعداد الكمائن بطول طريق الانسحاب وعلي الرغم من المفاوضات المتكررة والتوقف المتكرر لصد الهجمات الخاطفة القاتلة التي يشنها مقاتلو القبائل بدأ البريطانيون وحلفاؤهم في التساقط‏,‏ ولم يتبق سوي مقاتل واحد تمكن من الوصول الي جلال آباد مؤكدا ان افغانستان مقبرة حقيقية للغزاة علي مر التاريخ‏.‏واليوم تخوض القوات البريطانية منعطفا حادا وفارقا منذ اقتحام قواتها لأفغانستان في عام‏2001.‏ فالقوات البريطانية التي تقدر بـ‏9‏ الاف مقاتل تقرر دعمها بـ‏500‏ مقاتل آخرين الا ان الخسائر دقت نواقيس الخطر في لندن فقد سقط‏236‏ قتيلا بريطانيا منذ اكتوبر‏2001‏ وحتي نهاية نوفمبر‏2009‏ كما اصيب‏314‏ بإصابات شديدة و‏3141‏ بإصابات مختلفة آخرجتهم من ساحة القتال‏..‏ ومن هنا نبع الخوف من تكرار مشاهد الحرب الافغانية البريطانية الاولي‏.‏ ومن هذا المنطلق نبعت قرارات جوردن براون رئيس الوزراء البريطاني‏,‏ وخطته الرامية الي تحقيق حالة من الاستقرار الامني في افغانستان من خلال زيادة القدرات العددية والتدريبية للقوات الافغانية‏,‏ بالاضافة لزيادة القدرة علي الفعل السياسي لدي الحكومة في كابول‏,‏ وتحسين قدراتها فيما يتعلق بفرض كامل سيطرتها علي شتي الاقاليم والمناطق الافغانية وذلك كتوطئة للانسحاب البريطاني الهادئ‏.‏ وعلي الرغم من بروز اكثر من موعد لبدء انسحاب القوات الامريكية والقوات الدولية العاملة فإن الامر جد مختلف بالنسبة للبريطانيين الذين لم يحددوا موعدا للخروج‏,‏ او بدء الانسحاب بل اكد قائد الجيش السير دافيد ريتشاردز ان القوات البريطانية ستشارك في العمليات القتالية بأفغانستان لما يقرب من‏5‏ سنوات قادمة‏,‏ أي بعد عامي‏2011‏ و‏2013‏ المفضلين للكثير من الخبراء‏.‏فمن الواضح ان هناك صعوبة في مضاعفة اعداد القوات الافغانية لتصل الي‏134‏ الف مقاتل بحلول شهر اكتوبر‏2010,‏ فبناء علي الخبرة السابقة يحصل ما يقرب من‏60‏ الف افغاني علي تدريبات عسكرية من الحلفاء سنويا وفي العام القادم ينتظر ان تكون تلك التدريبات اكثر دقة بهدف بناء قوات افغانية متنوعة لا تعتمد علي افراد القوات البرية فقط‏.‏ولكن الاحصائيات لا تبشر بالخير فقد نشرت احصائية بالجارديان البريطانية تشير الي ان نسبة الفرار بين المجندين الافغان تصل الي‏16%‏ بينما قدرها الامريكيون بـ‏25%‏ وفي العام الماضي تسللت عناصر من طالبان بين المتدربين الافغان وقام احدهم بعد ان اصبح ضمن عناصر الشرطة الافغانية بقتل‏5‏ ضباط بريطانيين قبل ان يفر عائدا الي صفوف طالبان‏,‏ حاملا معه كافة اساليب التدريب والمعلومات المفيدة‏!‏اما الاخطر من كل ما سبق فهي العقيدة القتالية الغائبة‏,‏ والدافع المجهول للقتال وهو الذي لم يتمكن الخبراء العسكريون من زرعه في نفوس المقاتلين الافغان الذين يفترض ان يقاتلوا في صفوف الجيش الحكومي‏,‏ وترتكز عليهم آمال الحلفاء والبريطانيين في الخروج من افغانستان وعدم تكرار المشاهد الختامية المؤلمة للحرب الافغانية البريطانية الأولي‏