حوار حول السياسة الأمريكية تجاه العرب في عهد أوباما

مناقشة في شكل حوار خلافي حول سياسات الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وذلك بعد تسلمه لجائزة نوبل للسلام في الأيام القليلة الماضية، وبمناسبة إلقائه لخطابه في أوسلو الذي مارس فيه نقدا ذاتيا حيث شكك هو بنفسه في أحقيته بهذه الجائزة ذات الصيت العالمي.ومن المشاركين في الحوار كل من تشارلز كابشن عضو بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، والدكتوران أسعد أبو خليل أستاذ العلاقات الدولية بجامعة كاليفورنيا، ورئيف زريق الأستاذ الزائر بجامعة جورج تاون الأمريكية.في هذا الحوار الخلافي قدم معد البرنامج بعض الآراء لمجموعة من الشخصيات العربية الرسمية والأمريكية الممثلة للسياسات الأمريكية تجاه العرب والتي شاركت في أشغال المنتدى العربي– الأمريكي منذ مدة. ويلاحظ المرء أن النقاش الذي دار بين هؤلاء يتميز بأنه خلافي، كما يعكس وجهات نظر متباعدة حول ما حققه الرئيس أوباما لصالح السلام في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، وتحديدا فيما يخص العراق والقضية الفلسطينية، وما أنجزه على أصعدة أخرى، وفي المقدمة العلاقات الاقتصادية، والتعاون التكنولوجي، والدفع إيجابيا نحو الرفع من مستوى احترام حقوق الإنسان في العالم العربي دولة دولة.ويبدو بأن وجهتي نظر كل من الدكتور أسعد خليل والدكتور رئيف زريق تقتربان من بعضهما البعض في كثير من النقاط حيث إن المشترك بينهما يتمثل في أن الرئيس باراك أوباما، رغم أنه منتخب ديمقراطيا ولكنه لا يقدر أن يسير بمفرده عكس مصالح التيارات والجماعات التي تمثل المصالح الأمريكية في جميع المؤسسات المتنفذة في الدولة الأمريكية. بمعنى أن السياسات الخارجية الأمريكية ومحتوى توجهاتها في العالم العربي وفي بقية العالم لا ترسم من قبل الرئيس وحده، ولا يسمح له أن يتجاوز الأفق الاستراتيجي الذي هو فوق الجميع سواء على مستوى كل من الحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري، أو على صعيد المؤسسات ذات الطابع المدني والعسكري وهلم جرا.وبخصوص سياسات التلطيف التي سلكها الرئيس أوباما فإن الدكتورين أسعد خليل ورئيف زريق لم يعمقا النقاش حولها ولم يحللاها بقوة وعلى ضوء الأفكار الجديدة التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية أثناء حكم الرئيس السابق جورج دبليو بوش وبعد انتهاء عهدته بشكل رسمي. ومن هنا فإنه ينبغي الإحاطة بتلك الأفكار التي تبدو أنها تنحو نحو تفضيل العمل في إطار السياسات الخارجية الأمريكية بالقوة الناعمة بدلا من القوة الغليظة حيث إن الأولى تحقق مصالح أمريكا بواسطة الهيمنة، أي بواسطة رضا الأطراف المهيمن عليها، في حين تحقق الثانية المصالح ذاتها عن طريق استخدام الضغوط والتهديد والقوة العسكرية، وشتى أنواع العقاب المادي والدبلوماسي، والاقتصادي.ومن هنا يمكن النظر إلى أن إضفاء الطابع الناعم على تحركات إدارة أوباما يدخل ضمن توظيف عدد من أفكار ونصائح المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين مثل بريجنسكي، وجوزيف ني، وحتى جيمس بيكر، وبعض القوى الضاغطة في الإعلام الأمريكي وهي متعددة المشارب والمواقف، وإن كانت تجمع على ضرورة إيجاد طرق جديدة لتكييف وتطبيق القوة الناعمة إلى جانب بعض الذكاء الغليظ.إنه يبدو واضحا بأن الفهم الصحيح لسياسات الرئيس باراك أوباما لا يمكن أن يتم بمعزل عن هذه الأفكار المطروحة بقوة وعلى نحو دائم في شكل نقد لسياسات بوش الصغير الذي تورط في حربين وفي عداوات مع العالم الخارجي قد جعلت أمريكا سيئة السمعة كونيا، ومفتوحة على النقد من كل القوى العالمية المحبة للسلام، وعلى الاحتمالات التي لا يحمد عقباها أيضا.فالمداخلة التي تقدم بها تشالز كابشن، باعتباره عضوا في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، حاولت إبراز التغيرات في سياسات الرئيس أوباما، ومنها الوعد بسحب القوات الأمريكية من العراق في أجل لا يتجاوز عام 2011م، وإغلاق معتقل غوانتانامو، وإتباع أسلوب الحوار مع الدول العربية، والتخلي عن تصدير الديمقراطية الأمريكية إليها بوسائل الوعيد والترهيب، فضلا عن العمل من أجل إيجاد حل يمكن من إعلان الدولة الفلسطينية؛ ولكن تحليل المعطيات الملموسة بخصوص هذه المسائل يشير إلى واقع كئيب وزئبقي في أحسن الأحوال.فالواقع يؤكد أن موقف الرئيس أوباما من معتقل غوانتانامو، ومن العراق، والقضية الفلسطينية، والديمقراطية براغماتي، وليس جذريا يليق بشخصية سياسية مفكرة أُسندت إليها جائزة نوبل للسلام التي تمثل أعلى تقدير عالمي في المجال السلمي العالمي والذي تثمن به الإنجازات في الميدان وليس الوعود والأقوال التي قد لا تجد طريقها إلى التطبيق أبدا.بخصوص قاعدة ومعتقل غوانتانامو فإن المطلوب ليس غلقه فقط، بل الانسحاب الكلي والسريع منه لأنه هذه المنطقة هي من ملك دولة تتمتع بالعضوية في الأمم المتحدة وهي جمهورية كوبا؛ ولكن هذا الانسحاب من مستعمرة أمريكية ليس ضمن جدول أعمال الرئيس أوباما الحائز على جائزة نوبل للسلام، وأي سلام؟!وفيما يتعلق بالعراق فإن الوعد بسحب الجيش الأمريكي المحتل منه، والاعتراف الصريح للرئيس أوباما بأن الاحتلال والحرب اللتين نفذهما جورج دبليو بوش غير شرعيين لا يكفيان سواء من الناحية الأخلاقية أو من الناحية القانونية.أليس حريّ برجل السلام الأصيل والحقيقي تقديم الاعتذار كتابيا وشفويا لكل من الشعب العراقي ولمنظمة الأمم المتحدة على هذا الاحتلال والحرب البشعة التي دمرت وطنا بأكمله، وتسببت في مقتل ما لا يقل عن مليون مواطن عراقي فضلا عن تهجير ملايين أخرى، وتحويل نسبة كبيرة من المواطنين والمواطنات العراقيين والعراقيات إلى معطوبين ومعطوبات ويتامى؟ ثم لماذا لم تقدم أمريكا عهد أوباما على تفعيل وتنفيذ القوانين الدولية في حق مجرمي الحرب والاحتلال الذين تجاوزوا الشرعية الدولية وكل الأعراف والأخلاقيات وفي المقدمة جورج دبليو بوش وذلك عملا بميثاق الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، ومعاهدة جنيف وغيرها من الشرعيات التي تضمن العدالة؟!وبخصوص العراق دائما، فإن الرئيس أوباما لا يتحدث إطلاقا عن التعويضات المالية وكذلك التعويضات الفنية للعراق جراء أعمال الهدم والنهب والبطش التي تعرض لها طوال فترة الاحتلال وعلى مدى سنوات الحصار الظالم والذي ذهب ضحية له مئات الكبار والأطفال من أفراد الشعب العراقي.ما هي هذه الدولة الفلسطينية؟النقطة المركزية في النقاش الذي دار في برنامج "من واشنطن" تخص ما يدعى بالموقف الجديد للرئيس أوباما من القضية الفلسطينية، ومن الصراع العربي– الاسرائيلي جملة وتفصيلا.لا أعتقد أن تحليلات كل من الدكتورين أسعد أبو خليل، ورئيف زريق، وتشارلز كابشن قد مست جذر المشكلة، وأصولها التاريخية، وواقعها الحالي معا. فالقضية قد تعرضت للتجزئة منذ بداية النقاش إلى نهايته، على غرار التجزئة التي تمارسها إدارة أوباما، والتي مارستها الإدارات السابقة في البيت الأبيض الأمريكي.منذ تولي الرئيس أوباما لسدة الحكم، وحتى منذ ترشحه للرئاسة لم يتحدث عن الشرعية الدولية غير المطبقة لحل الصراع العربي– الاسرائيلي بشكل جدي. إن جميع القرارات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة ومجلس أمنها الدولي عقب حرب 1967م طالبت ولا تزال تطالب اسرائيل بالانسحاب الفوري من الأراضي التي احتلتها في تلك الحرب، وفي الحروب التي شنتها بعدئذ.فالرئيس أوباما "على غرار أسلافه من رؤساء أمريكا" غير معني بتلك القرارات الممثلة للشرعية الدولية، ولمصداقية الأمم المتحدة ومؤسساتها. وليس بأمر خفي فإن أوباما يعتبر القدس الشرقية جزءا من إسرائيل، علما أن هذا الجزء قد احتل في عام 1967م، وكان إذ ذاك تحت إدارة الأردن، كما احتلت غزة بالكامل في العام ذاته وكانت تحت الإدارة المصرية. فالجولان ومزارع شبعا كلها محتلة من طرف إسرائيل. ويبدو واضحا أن باراك أوباما ليس له موقف واضح من كل هذه الاحتلالات، ومن الجدار العازل الذي حوّل الضفة الغربية إلى قطعة ممزقة الأطراف وأشبه بالمتاهة.بناء على ما تقدم من ملاحظات، فإنه لا يوجد أي تغيير جوهري في الموقف الأمريكي حيث إنه لا يزال يكرر بعضه في أشكال مختلفة، ولكنه في المضمون هو نفسه ولا تحول فيه.إن تجزئة عملية التعامل مع الصراع العربي– الاسرائيلي نموذج كلي متكرر في السياسات الأمريكية؛ وفضلا عن ذلك فإن شكل ومحتوى الدولة الفلسطينية التي يفاوض عليها مبعوث الرئيس أوباما جورج ميتشل عائم وقابل للتشظي في مناخ عدم تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي، ومواصلة إسرائيل بناء المستوطنات، وتوجيه الضربات لغزة، وتهديد لبنان بالحرب وتسويف قضايا جوهرية في بانوراما الصراع العربي– الاسرائيلي، كالجولان، ومزارع شبعا، والمياه، فضلا عن عودة اللاجئين التي تعتبرها إسرائيل من المحرمات. كل هذه المسائل والقضايا المتشابكة والمتصلة ببعضها البعض لم تناقش بدقة لتبيان مدى اختلاف سياسة أوباما عن سياسات بوش الأب والابن وكلينتون وغيرهم من رؤساء أمريكا السابقين.علاقة أوباما بالأنظمةهناك اختلاف في الشكل بين علاقة بوش الابن وعلاقة أوباما بالدول العربية، ولكن من حيث المحتوى والأهداف الاستراتيجية فكلاهما نسخة للأخرى، وفي الواقع هناك سياسة أمريكية واحدة مع العالم العربي وأقطاره؛ إنها سياسة المصالح الأمريكية، فهي أولا وقبل كل شيء سياسة مرتبطة بالأنظمة ومدى إذعانها للمصالح الكبرى البعيدة المدى للدولة الأمريكية ذات الطموحات الامبراطورية؛ كما أن إدارة أوباما قد أبرزت بأن العلاقة بالأنظمة الحاكمة هي فوق الديمقراطية، وفوق المبادئ المتعلقة بحرية التعبير، وحقوق الإنسان، وتداول الحكم سلميا عن طريق الاقتراع التعددي الشفاف والتربة.ويبدو واضحا أن التلويح بفرض الديمقراطية في الفضاء المدعو بالشرق الكبير الذي يتضمن الدول المدعوة في الأدبيات السياسية والدبلوماسية بالعربية كان من أجل الابتزاز، ولم يكن موقفا مبدئيا وجوهريا وتعبيرا عن سياسات حقيقية.