المغتربون العرب والإيدز العصبي

في البدء كان الحلم. وبين حلم الهجرة و …الاستيقاظ على الواقع طريق طويل لا يدري من بدأه إلى أين ينتهي به… وتظل أوروبا هي الحلم الكبير لملايين من الشباب العربي. ففيها كل شيء ـ كما يتخيله القادم الجديد ـ المال، والنظافة، والبيت السعيد، والسيارة والذوق ، والتحضر والجنس، والحرية، وراحة البال. هذه هي الصورة التي يراها المقيمون في الوطن أو القادمون.. الجدد…إلى الوطن الجديد.
وعندما يصطدم المغترب العربي بأول نظرة عنصرية، تبدأ أولى خطوات انكماش الحلم.. ويظل يصغر ويصغر حتى يصبح هو والواقع شيئا واحدا. والمغتربون العرب في أوروبا في حاجة ماسة إلى دعم معنوي وزاد روحي من تربة الوطن، حتى لئلا يتحولون إلى أشباه بشر…أو عبيد الغربة. وقد تحزن هذه الصورة أبناء الوطن المقيمين، ولكنها حقيقة واقعة لا نريد أن نساهم في إخفائها كما فعل الذين من قبلنا.
الحقيقة المؤلمة هي أن المغترب العربي مازال غير قادر على التأقلم مع المحيط الذي يجد نفسه فيه، بل إن هناك رفضا من المغترب للاتدماج، ورفضا من مواطني البلد المضيف لقبول المغترب.
إن صدمة الغربة في أوروبا كبيرة وقاسية، وهي تزداد قوة ومرارة مع الأيام، وقد أحالت عددا كبيرا من المغتربين إلى أشباه موتى أو أحياء بلا روح. وحدة وغربة ووحشة حتى لو كان المغترب العربي متزوجا من أوروبية. علاقات غير سوية مع أصدقاء الغربة لأنها ليست متكافئة، إنما هي نتيجة لقاء مصادفة جمع خليطا عجيبا من كل شكل ولون، وكل رأي ومذهب وعقيدة وفكرة وماض ….إنك هنا في أوروبا قد تقابله في أي مكان، وقد يتصل بك هاتفيا أو تراه جالسا وحيدا في مقهى أو سائرا على غير هدى يحدث نفسه، أو منغمسا في علاقات جنسية، أو متلعثما في حديثه، أو ملتجئا إلى ماضيه. أنه المغترب العربي المسكين الذي تخلى عنه الوطن عندما تركه يغادر البلاد دون أن يمده بأسلحة تقيه برد الوحشة، ووحدة الفكر، وانحسار الإيمان.
" الإيدز العصبي" هو المرض الذي يصيب عددا كبيرا من المغتربين، ولن يستطيع مقاومته مغترب ضعيف الإيمان أو لا يملك فلسفة في الحياة أو قليل الحيلة، أو غير مرتبط روحيا وعاطفيا وفكريا بأهله وأبناء وطنه. لقد فشلت تجمعات المغتربين في القضاء على "الإيدز العصبي" بل إنها ساعدت في أحيان كثيرة على نقل المرض إلى أفرادها فأصابت البعض انهيارات عصبية أو داء العظمة، أو الأرق الدائم أو انتكاسات ذهنية.
والحل يبدأ من هناك…من الوطن قبل أن يستفحل الخطر ويسري في جسد المغتربين كلهم.
المغتربون العرب في أوروبا يقتلون أنفسهم وأرواحهم في مجتمعات هيأت لهم كل سبل الموت البطيء.
الصراع المرير الذي يعتركه المغترب في البيت، والمكتب والعمل، والمدرسة والشارع، ومع الناس والسلطات….هو صراع حسم النصر فيه سلفا لصالح أبناء البلد المضيف.
حتى الزواج من أوروبية أصبح قضية خطيرة جدا، لأن المغترب العربي الزوج يخرج منها في معظم الأحوال منهارا منهزما وكأنه كان يصارع ثورا عنيدا في ساحة ليس بها متفرجون أو شهود.
وسواء انفصل المغترب العربي عن زوجته أو صديقته وكان لهما أولاد فقد انقطعت مع الانفصال أو الطلاق صلة المغترب الثقافية واللغوية والدينية مع أولاده …وتبقى العلاقات العاطفية التي تخفت وتذبل وتبهت مع مرور الأيام، حينما يجد المغترب صديقة أو … يتزوج حتى من عربية، وينتقل إلى بيتها رجل آخر من أبناء جلدتها ليصبح الأب الثاني للأولاد. قضية الانفصال أو الطلاق هي الأخطر هنا، لأنها تعيد المغترب العربي إلى نقطة الصفر دون أي مكاسب تذكر.
إن تحديد من المخطئ ومن المصيب في هذه المشكلة لن يساعدا في إيجاد مخرج منها أو حل لها؛ فهما طرفان مختلفان في كل شيء: الدين والعادات والتقاليد واللغة والماضي والاهتمامات والآمال والأحلام والمبادئ و……
يعاني المغترب العربي أيضا من مشكلة عدم الاكتراث به أو بآلامه وأحزانه وأوجاعه من قبل معارفه و..أبناء البلد المضيف.
الكل يجري ويلهث وراء الاستقرار المادي، وقلة نادرة هي القادرة على الجلوس الهادئ والاستماع إلى الآخرين.
إن إعادة تحليل الواقع للمغترب العربي تحليلا موضوعيا هي المدخل الوحيد لمنهج سليم، في محاولة لتجنب الخسائر المعنوية والروحية والعاطفية والفكرية التي تنتظره.
بنظرة متفحصة وأمينة للمغتربين العرب في شوارع وأزقة وحواري جنيف ومرسيليا ولندن وأوسلو واستوكهلم وكوبنهاجن وأورهوس وأودنسا ومالمو وجوتنبرج و….تكتشف على الفور أن قضية المغتربين العرب أخطر مما يمكن أن يدور بأذهان كل المسؤولين عن وزارات الهجرة والقوى العاملة.إنها قضية محاولات المهزوم إيصال ثقافته الأصيلة إلى أوروبا حيث يقف الإنسان الأبيض متعاليا فكرا ومادة ومالا على القادمين الجدد.
المغتربون العرب في حاجة إلى الحماية من أبناء البلد المضيف ومن.. أنفسهم أيضا.
إن مقولة الاستقرار النفسي والمادي لدى المغتربين العرب في أوروبا فيها من الضرر الكثير، لأنها خداع للنفس واضح وصريح. إننا في حاجة إلى أبحاث مزودة بأرقام مفيدة وإحصاءات غنية لمعرفة مواقع أقدام ضحية العصر، وضحية الهجرة، وضحية أحلام الضعفاء. ومازال الإيدز العصبي يصيب في كل يوم وكل ساعة عددا لا بأس به من المغتربين الجدد، أو من الذين استيقظوا فجأة على فجيعة هموم الغربة.