حكايات الهجرة 1 حكاية اول رحلة بالقطار

إبراهيم حمودة/ رأيت القطار للمرة الأولى بعد شهرين من قدومي إلي هولندا. كنت وقتها أسكن في شارع لوو، بالهولندية (لوولان)، في مدينة أبلدوورن الواقعة في اقليم خلدرلاند والتي تضم قصر لوو، واحد من قصور الأسرة الملكية الهولندية.وشارع لوو، للذين لا يعرفونه هو الشارع الرئيسي المؤدي للقصر الملكي بمدينة ابلدورن ، الذي يحمل ذات الاسم. قصر لوو ( بالايس هت لوو) المشهور بحدائقه الجميلة التي تعرشها النباتات المتسلقة، نباتات تسمح بمرور الضوء وتحجب اشعة الشمس الضارة التي تؤذي البشرة وتؤدي لاسمرارها، الشئ الذي كانت تتجنبه نساء النبلاء وذوي الدماء الملكية الزرقاء.
 
 
قبالة المبني الذي كنت اسكنه، ثمة حانوت صغير، أو مايشبه الحانوت، يبيع البطاطا المقلية وأنواع أخري من اللحوم المعدة بطرق خاصة للقلي السريع، كنت اسمي هذا الحانوت استسهالا بالـ ( كشك) . ترتبط ا لتسمية التي اطلقتها علي هذا الحانوت بمحلات صغيرة في بلدي تبيع ما يحتاجه ا لعابر والمقيم من كل ما يخطر علي البال من السجائر لفرشاة الاسنان وصنادل الاستحمام. من هذا الحانوت علي شارع لوو كنت اشتري سجائري حين يكون الوقت متأخرا. من ذات الحانوت يمر شارع لوو ناحية التقاطع حيث يقع مسرح المدينة، الي مركز المدينة حيث تقع محطة القطار في طرفه الاخر.
 
كنت أنوي زيارة اثنين من اصدقائي وزملاء دراستي القدامي، يسكنان العاصمة أمستردام. نصحني حارس البناية التي اسكنها بأخذ القطار إلي أمستردام. الحقيقة أن نصيحة الحارس كانت من قبيل تفسير الماء بالماء، فمن لا يملك سيارة في هولندا ، ليس أمامه وسيلة أخري للسفر سوى استخدام القطار، لانه أرخص، اسرع ، وأكثر راحة من البص. ليست لدي هولندا بصات داخلية للسفريات ا لطويلة،خلافا لكثير من البلدان الاوربية الاخرى. كانت هنالك بصات الانترلاينر بلونها الاخضر الداكن المميز، ولكنها لا تغطي كل اقاليم هولندا ، فضلا عن أن المسافر بها يقضي وقتا اطول في الطريق، مقارنة بالسفر بالقطار.
 
سآخذ القطار اذن، والسفر في ذاكرتي قطعة من جهنم، خاصة السفر بالقطار، والقطار محفور في ذاكرة طفولتي وشبابي بدخانه الاسود الرمادي وابخرته المتصاعدة من مرجل القاطرة، بمقصوراته التي تتدرج من الاولي وحتي الرابعة، بالمسافرين علي سطح القطار حيث لا تكاد تجد موطأ قدم، وبالصفوف الطويلة امام شباك التذاكر، اللوح الاسود الباهت الذي تكتب عليه مواعيد القطار التي يوافيها.الجرس الذي ينذر الركاب بقرب موعد تحرك القطار و بالصراخ ورائحة العرق، وبرحلته البطيئة عبرالتلال الرملية التي تستغرق من يومين الي ثلاثة ايام لقطع مسافة ستمائة كيلومتر من وسط البلاد للعاصمة.
 
سآخذ القطار من محطة أبلدوورن الصغيرة، محطة ذات رصيفين متقابلين، شأنها شأن الكثير من المحطات الصغيرة، منها تذهب القطارات ناحية الشرق ناحية انشخيده علي الحدود الالمانية، أو ناحية امستردام وأوتريخت التي تعتبر أكبر محطة سكه حديد في أوربا. في المحطات الكبيرة والقديمة في هولندا يمكنك ايضا ملاحظة اثار الماضي البعيد لسكك الحديد الهولنديه، ستري غرف الانتظار التي ما تزال تحمل تحديد نوع الركاب الذين يحق لهم الانتظار بها مثل : غرفة انتظار ركاب الدرجة الثالثة، التي يمكنك مصادفتها في محطة هارلم العتيقة أو محطة فيرت وماستريخت بالجنوب الهولندي. وقتها كانت هنالك درجه ثالثه ورابعة ايضا، حيث كانت تخصص للجنود المتجهين لاماكن الحرب في رقعة ما من رقاع العالم مثل اندونيسيا او جزر الانتيل. كان يطلق علي الدرجة الرابعة اسم : مقصورة المواشي.
اليوم اختفت مثل هذه الفوارق، هنالك فقط درجة اولى وثانية، ليس ثمة فروق بينهما غير المساحة المخصصة للارجل ولون المقاعد ونوعية الكساء الذي يكسوها، فمقاعد الدرجة الاولى الحديثة مكسوة بالجلد الاصلي. يركبها كبار الموظفين الذين ينوون مواصلة عملهم وانجاز ومراجعة تقاريرهم وهم في الطريق للبيت بعد يوم عمل شاق.
 
المحطة نظيفة كشأن سائر محطات القطارات في هولندا، وعاملة التذاكر لطيفة ترتدي ابتسامة لا تفارق شفتيها.
يملك المسافر الخيار في أن يشتري تذكرته من ماكينات التذاكر المنتشرة في كل المحطات حتي تلك الواقعه في مناطق شبه خلوية، ولكن كبار السن والسواح والأجانب عموما يفضلون شباك التذاكر إذ يمكنك السؤال عن مواعيد القطار والمحطة التي يجب عليك تغيير القطار فيها.
اشتريت تذكرتين ، لي ولزوجتي، لان الأطفال دون سن الثالثة يسافرون مجانا، سألوني ان كنت املك بطاقة تخفيض، وهي بطاقة خاصة يشتريها الأشخاص الذين يسافرون بانتظام ليحصلوا علي تخفيض قدره اربعين بالمائة من ثمن التذكرة العادي. لا ازدحام بشباك التذاكر، ولا تدافع. بالخارج يعلو مكبر الصوت عن تأخير مقداره خمس دقائق للقطار المتجه الي ديفينتر. علي وجوه بعض المسافرين يقع الخبر وقع الكارثة، خمس دقائق كاملة، قطعا سيتأخر أحدهم عن موعد ما، أو عن اللحاق بقطار آخر، الطريف أن ربات البيوت الهولنديات يبدأن بتسخين الاكل بالضبط في الموعد الذي تطأ فيه قدم الزوج محطة القطار، وخمس دقائق تأخير تعني أن الاكل سيبرد. هكذا يبرمج الهولنديون حياتهم وايقاعهم اليومي علي القطارات التي تمتلك هولندا اكبر شبكة منها مقارنة بباقي البلدان الاوربية والتي تمتلك افضل جدول خدمة علي مستوى العالم.
 
وصل القطار الكهربائي بالموديل المسمي ( كوبلوبر) أي السباق، بلونيه الأزرق والاصفر، صعد المسافرون علي مهل ودون تدافع،ليجلس كل منهم علي مقعد خالي بحيث لا يجاور احدا آخر، الناس هنا يعلون من أمر الخصوصية ولا يرتاحون لملاصقة اجسادهم لاجساد الاخرين، بعضهم يفضل الوقوف في الحافلة أو القطار علي الجلوس بجانب في مقعد خالي بجوار شخص اخر. المقصورات تتمتع بتدفئة مركزية، نظيفة وذات مقاعد مريحه. عند الواحد تماما حسب الموعد المعلن تحرك القطار بانسيابة وبلا ضوضاء، ليعلن المفتش، ببذلته الزرقاء الغامغة وربطة العنق الانيقة، عبر مكبر الصوت عن ترحيبه بنا ويخبرنا بالمحطات التي سيتوقف عندها القطار معددا اياها حتى وجهته النهائية امستردام.