متی سيتوقف الإنسان عن حماقته المهلكة؟

هناك أشياء بديهية لا يستعصي فهمها علی أبسط الناس حتی الأطفال والأميين والمعزولين عن الاتصال بالعالم الخارجي؛ فمن البديهي مثلا أن الحرارة تسبب التمدد، وأن البرودة تؤدي إلى التقلص؛ ومن المعروف أن درجة حرارة غليان الماء هي 100 سنتغراد "أي مئوية" وأن درجة التجمد هي صفر، ولكن الغليان لا يحدث عند درجة 99 ولا التجمد علی درجة واحد مئوية.الفرق في الحالتين بسيط جدا٬ وهو مجرد زائد واحد أو ناقص واحد بالمئة؛ ولكن هذا الواحد علی قلته هو الفرق بين التحول أو عدم التحول إلى حالة أخری. وهذه هي المشكلة التي جلبت وفودا عن 192 دولة و15 ألف مراقب وصحفي إلى عاصمة الدانمارك ليناقشوها ويبحثوا عن حلول لها٬ وإلا فإن التغيير الذي طرأ علی مناخ الكرة الأرضية سيزداد ويتضاعف فتكون له عواقب وخيمة قد تلحق البشر بالديناصورات.لقد أتيح لنا بفضل التقارير التلفزيونية والصحفية أن نراقب بعض العواقب. إذ شاهدنا بنغلاديش كلها وجزءاً من أستراليا وأندونيسيا وولايتي لويزيانا وفلوريدا، في الولايات المتحدة، غارقات في مياه المحيطات المصحوبة بعواصف خلعت سقوف البيوت بل البيوت ذاتها٬ كما اقتلعت أشجارا باسقة من جذورها وتشكلت جزر لم تكن موجودة من قبل، لجأ اليها المنكوبون الذين فقدوا بيوتهم وسياراتهم وبعض أفراد عائلاتهم وظلوا ينتظرون الغوث الذي قد يأتي "أو لا يأتي" بعد فوات الأوان.من أستراليا جاءت قصة غريبة وهي أن قارب صيد أسماك قد تحطم من جراء العواصف، فرفضت شركة التأمين أن تعوض صاحبها بدعوی أنها ليست مسؤولة عن القضاء والقدر، وقالوا له اذهب واطلب العوض من الله؛ فذهب إلى المحكمة ورفع دعوی طلب تعويض ضد رجال الأديان السماوية الثلاثة دفعة واحدة علی اعتبار أنهم وكلاء الله علی الأرض وهم مسؤولون عن الأضرار الناشئة عن مشيئته وإن رفضوا تحمل المسؤولية فهم أدعياء يعيشون علی الزكاة والأوقاف بالنصب والاحتيال. إزاء هذه الورطة اضطر رجال الأديان لدفع التعويض كيلا ينكشف غطاء الأدعاء بالوكالة.لكن الأمر الواقع هو أن "التسونامي" أي الطوفان الذي دمر "في جملة ما دمر" قارب الصياد حدث نتيجة لارتفاع حرارة الجو الذي سبَّب ذوبان ثلوج القطبين فارتفع مستوی مياه المحيطات وغرقت الأراضي المنخفضة بعد انهيار السدود.طبعا الإنسان هو المسؤول عن ارتفاع الحرارة المسبب للكوارث؛ فهو الذي يحرق ملايين الأطنان من الفحم والبترول يومياً، وهو الذي يقطع ويحرق أشجار الغابات حتی أن أكبر غابة في العالم، وهي الأمازون، قد فقدت ثلث أشجارها في عشر سنوات ولا تمر سنة واحدة دون أن نسمع أن إحدی غابات الجزائر قد أصابها حريق فتوسعت مساحة الصحراء علی حساب الأرض الخضراء.وشمال إفريقيا كلها كانت تحت مظلة كبيرة من أشجار الغابات، فأين هي الآن؟ ولماذا أصبحت رمال الصحراء تغطي كثيرا من طرق السيارات والقطارات وتتوقف الحركة حتی تزال تلك الرمال؟خبراء الطقس في الصين الذين بدأوا منذ مئة سنة يحتفظون بقيود لدرجات الحرارة علی قمم جبال الهملايا يشعرون بالقلق من التناقص المريع للثلوج التي تغذي الأنهار بالمياه. فالنتيجة هي الفيضانات في البداية وانقطاع المياه في النهاية، وهذا ينطبق علی جبال الألب والقوقاز والأنديز أيضا.أسوأ بلدين من حيث الاعتداء الغاشم علی الطبيعة هما الصين والولايات المتحدة؛ فالأولی وهي أكبر بلدان العالم سكانا تحرق كميات هائلة من الفحم الحجري٬ والثانية تستهلك كميات هائلة من النفط المستورد والمستخرج محلياً. كل منهما وعدت في مؤتمرات دولية بترشيد الاستهلاك، لكننا نسمع جعجعةً ولا نری طحناً.فالخرق مستمر٬ وبالطبع ليست الدول الأخری بريئة، فملايين السيارات وآلاف الطائرات تحرق الأوكسجين وتملأ الفضاء بثاني أكسيد الكربون السام. ففي بعض الأماكن- حتی في العالم الثالث- تمتلك الأسرة الواحدة أربع أو خمس سيارات، واحدة للأب ليذهب إلى شغله وواحدة لتتسوق بها الأم وتذهب إلى المحلات التي تعد بإعادة العجائز إلى الصبا٬ وأخری لتذهب بها البنت إلى الجامعة ثم يستعملها أخوها في المساء لأنه حطم سيارته الخاصة تحت تأثير خمر أو مخدرات.وهناك جيوش تجري في الصحاري والقفار بمئات الدبابات وآلاف السيارات لإخضاع المتمردين والأعداء٬ وتعبر عائلات وشبيبة القارات للسياحة بينما كان أجدادهم لا يعرفون القرية المجاورة، ورحلاتهم علی الطائرات تزيد تلوث الفضاء.بمعادلة جبرية نجد أن استمرار هذا الحال بلا عواقب مأساوية من المحال. وهذا هو الحافز إلى عقد مؤتمر كوبنهاغن في أعقاب مؤتمر كيوتو وميوتو وموتوا٬ فإلى متی ستظل هذه المؤتمرات عديمة الجدوی كمؤتمرات الجامعة العربية؟اندهشنا عندما تخلی ديفيد أتنبوره عن منصب مدير تلفزيون البي بي سي لينطلق إلى أحضان الطبيعة ليدرس أحوال مختلف المخلوقات٬ ولكن اكتشافاته في الأربعين سنة التي قضاها متجولا في الأماكن التي لم ينجح الإنسان المخرّب بطبعه في تدميرها بعد٬ أذهلت كل من حظي بمشاهدتها علی التلفزيون. فهذه الاكتشافات تعادل في أهميتها ما دوَّنه العلامة داروين عن رحلاته الاستكشافية وتكمل نظريته عن تنازع البقاء وبقاء الأصلح وهو مع الأسف ليس "الأطيب" بل الأقوی والأقدر علی التكيف مع التطورات ومواجهة التحديات.اندهشنا بالمثل من ألبرت غور نائب رئيس الجمهورية الأمريكية السابق عندما حرر نفسه من المطامح السياسية ليكرس حياته لإنقاذ أمّنا الأرض وسكانها من الإنسان والحيوان والنبات.. فثبت أن خيار غور أفضل من خيار المجرم جورج دبليو بوش الذي جلب من الدمار لأفغانستان وللعراق أكثر مما جلبه المغولي هولاكو خان٬ بعد أن اغتصب الرئاسة من غريمه الطيب بالنصب والاحتيال.البطل، كما وصفه تولستوي مراراً، ليس من يستعرض عضلاته وشطارته ويقهر من هو أضعف منه٬ بل هو الذي يستغل قوته وأمواله لإنقاذ المساكين والضعفاء. وهذا التعريف لا ينطبق علی بوش ولا علی كليبه توني بلير والأذناب الآخرين الذين انتهوا إلى مزابل التاريخ. فاللهم ولِّ علينا خيارنا ولا تولِّ علينا أشرارنا.