فريسة سهلة الاصطياد

في أقل من اسبوع واحد تلقى المسلمون في الدانمارك ضربتين موجعتين. فقد وقع إثنان من مشاهيرهم في شباك الاعلام المتربص الذي يتصيد غلطات المسلمين في هذه البلاد وهي كثيرة، ليعكسها مكبرة ومضخمة الى درجة تثير الرأي العام على نطاق واسع.لا أحد طبعاً يلوم وسائل الاعلام الدانماركية عندما تقدم أشخاصاً معينين بصورة عدوانية وهم يدلون بتصريحات مثيرة للجدل والاستنكار بين أوساط الشعب الدانماركي.
فالمسؤول عن هذه الحالات أولاً وأخيراً هم أولئك الاشخاص الذين أدلوا بهذه التصريحات، دون أن يزنوا نتائجها ويقدروا وقعها على المواطنين والمسؤولين في هذه البلاد.
 الحالة الأولى حدثت عندما استضافت احدى قنوات التلفزيون الوطني ضمن برنامج خاص رجل دين باكستانياً وسألته عن أمور كثيرة منها الحجاب. وفي معرض اجابته قال الشيخ شهيد مهدي أن المرأة التي لا ترتدي الحجاب الاسلامي الاصولي تتحمل وحدها عواقب ذلك وإذا تعرضت للاغتصاب فإنها إنما تدفع ثمن عدم ارتدائها للحجاب. وقد أثار هذا التصريح ردود فعل قوية من الاحزاب البرلمانية والوزراء ومنظمات المجتمع المدني. الشيخ مهدي الذي قدم نفسه مفتياً إسلامياً في الدانمارك وله اتباع كثيرون، حاول في لقاء آخر التخفيف من ذلك التصريح الذي تم اقتطاعه من سياقه وتداوله على نطاق واسع. وبعد أيام قليلة نشرت أحدى أوسع صحف الدانمارك انتشاراً معلومات تفيد بأن هذا الشيخ الباكستاني الشاب يبيع ملابس نسائية خليعة، وإنه ليس مفتياً رغم دراسته العلوم الاسلامية، وقد أيدها في النقطة الأخيرة عدد من الأجانب الذين سألتهم الجريدة المذكورة على هامش موضوعها الذي أحتل صفحة الغلاف بكاملها.
الحدث الثاني هو ما أدلى به السجين السابق في غوانتينامو سليمان عبد الرحمن وهو دانماركي من أب جزائري وأم دانماركية، وكان قد أطلق سراحه منذ عدة أشهر، حيث أعلن في لقاء تلفزيوني آخر بأن رئيس الوزراء الدانماركي ووزير الدفاع هما هدفان مشروعان للمجاهدين في العراق لأن الجنود الدانماركيين يشاركون في احتلال العراق. هذا التصريح الذي اقتطع هو الآخر من سياقه، وانتزع من السجين السابق بعد موجة من الاسئلة المفخخة التي يجيدها بعض الصحفيين، أحدث موجة عارمة من ردود الفعل المنتقدة. فالحكومة الدانماركية تتوقع الشكر من عبد الرحمن لأنها صرفت من الجهد والمال الكثير لاخراجه من السجن كما تقول، أما عبد الرحمن فيؤكد أن الحكومة الدانماركية لم تساعده بشئ أثناء سجنه الذي دام سنتين ، بل على العكس كما يقول، حيث ضغطت عليه كثيراً لكي يدلي بمعلومات عن جماعته وكانت تساعد المحققين الامريكين من خلال تقديم المعلومات عنه. وقد وضفت بعض الجهات المعادية للاسلام، وما أكثرها، هذين التصريحين خير توضيف في حملتها المستمرة ضد المسلمين.
أما المجتمع الاسلامي في الدانمارك، ممثلاً بشيوخ المساجد وغيرهم، فقد وقف من هذه التصريحات ومن الحملة المضادة التي تلتها موقفاً منقسماً، بين رافض صريح وصامت. لكن السؤال الأهم هو بماذا تفيد هذه التصريحات غير المحسوبة مجتمع المسلمين في الدانمارك؟ إنها ولا شك قد خلفت أثراً سلبياً من خلال اللون القاتم الذي أضافته الى صورة المسلمين. لكنها من ناحية ثانية وفرت فرصة ثمينة لبعض شيوخ المسلمين المعتدلين لكي يبينوا موقفهم الصريح منها. ويضعونها في نصابها الصحيح. فوسائل الاعلام الدانماركية لا تتذكر شيوخ المسلمين الا في حالات كهذه، وتحاول انتزاع تصريحات متشددة منهم. ومع ذلك فالصورة التي تلقاها المواطن الدانماركي لم تركز على مواقف وردود فعل الشيوخ المعتدلين وإنما انشغلت بالتصريحات وبردود الفعل الدانماركية القوية ضدها.