مفهوم كلمة العرب بين الفطرة والقومية

لقد تم إطلاق كلمة ( عرب ) على أمة معينة والتصقت بها اصطلاحاً قومياً ، واستمر انتشار هذا المصطلح القومي على حساب تقلص دلالة كلمة ( عرب ) إلى أن تم زحزحة وإزالة هذا المفهوم العربي الفطري إلى صالح المصطلح القومي و من جراء ذلك أخذ المصطلح العربي صفة الأمة التي احتكرته لنفسها ، فإن نهضت هذه الأمة صار مصطلح ( العرب ) يدل على النهضة ، وإن هبطت صار يدل على التخلف والانحطاط ، وهذا العمل الاحتكاري لمفهوم ( العرب ) من قبل الأمة أساء لدلالة المفهوم العربي الفطري وصار صفة ذم وقدح نتيجة انحطاط وتخلف الأمة التي احتكرته لنفسها .
والقوم العرب هم الذين نشروا وكرسوا حصر مفهوم دَلالة ( العرب ) بالقومية وغيبوا المفهوم الفطري لكلمة ( عرب ) وقديما قيل : أهل مكة أدرى بشعابها . فأخذت الأمم الأخرى وخاصة الغرب منهم هذا المفهوم القومي وتم التعامل مع مفهوم كلمة ( عرب ) حسب الواقع الذي تجسده الأمة التي احتكرت هذا المصطلح وسمّت نفسها به ( الأمة العربية ) التي تعيش على جغرافية معينة رغم أنهم على الغالب لا يملكون من الصفة العربية إلا لسانها , وترتب على هذا العمل القبيح انقسام الأمم والعداء والحقد لمفهوم ( العرب ) وجعله مفهوماً مقترناً بالذم والقدح والتخلف والانحطاط لدرجة أن صار في الغرب كلمة ( عربي ) شتيمة لأنها تدل على الإرهاب والإجرام والتخلف والتعصب والانغلاق ورفض الآخر إلى غير ذلك , فصارت في ثقافة الغرب مثلها كمثل دلالة كلمة ( يهودي ) التي تدل على الغدر والخيانة والأنانية والجشع والبخل والكره والحقد ومص دماء الناس .
لذا ينبغي تحرير مفهوم كلمة ( العرب ) من القيود القومية ، وإرجاعه إلى دلالته مفهوماً إنسانياً يدل على المدح والصفاء والنقاء ، ويكون أساساً لالتقاء الأمم عليه وعدم تسييسه أو حصره بقومية معينة .
فعلى ماذا تدل كلمة ( العرب ) ؟
عرب :
ع : صوت يدل على عمق .
ر : صوت يدل على تكرار .
ب : صوت يدل على تجمع متوقف .
وإذا اجتمعت هذه الأصوات بترتيب كلمة ( عرب ) تدل على عمق مكرر منته بجمع متوقف . وهذه الدلالة الفيزيائية لأصوات أحرف ( عرب ) تدل اجتماعياً على أصالة الشيء وقدمه ووجوده الفطري دون تدخل يد الإنسان به صنعة . والمصدر الوحيد الذي حافظ لنا على هذا المفهوم الفطري لدلالة كلمة ( عرب ) هو القرآن قال تعالى :
1- [ وكذلك أنزلناه حكماً عربياً ] الرعد 37
فوصف الله الحكم الموجود في القرآن بالصفة العربية ، وهذا ليس صفة اللسان العربي لأن ذلك أتى في نص آخر صريح وهو [ نزل به الروح الأمين ، على قلبك لتكون من المنذرين ، بلسان عربي مبين ] الشعراء 193-195
فتكون صفة العربية للحكم تدل على أن هذا الحكم صفته الأصالة والقِدم والفطرة حيث ينسجم مع المنظومة الكونية ويتناغم معها ، وبالتالي نستطيع أن نصف كل حكم غير أصيل ومخالف للفطرة ومفسد للبيئة الاجتماعية والطبيعية بأنه حكم غير عربي .
وتأكيداً على هذا المفهوم قال تعالى [ وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً …] طه 113
[ قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون ] الزمر 28
[ إن جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون ] الزخرف 3
وهذه النصوص تتكلم عن صفة العربية للقرآن وليس عن اللسان الذي نزل به القرآن , رغم أن ذلك متضمناً في النص لزوماً من كون أن القرآن عربي المضمون , وذلك يقتضي أن يكون عربي اللسان ليتم احتواء المضمون بصورة علمية منسجمة مع اللسان ومع محل الخطاب , ليصير القرآن عربياً مضموناً ولساناً منسجماً مع عربية الكون ويتم التلاؤم والانسجام والتناغم بين الجميع ، وبظهور دلالة كلمة ( عرب ) ظهر لنا دلالة كلمة ( عجم ) قال تعالى :
[ أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء …] فصلت 44
فتكون دلالة كلمة ( عجم ) مقابل دلالة كلمة ( عرب ) هي :
عجم :
ع : صوت يدل على عمق
ج : صوت يدل على جهد وشدة .
م : صوت يدل على جمع متصل .
وجمع دلالة أصوات كلمة ( عجم ) بهذا الترتيب تدل على عمق وجهد منته بجمع متصل . لاحظ دلالة صوت حرف ( ج ) كيف دل على تدخل الإنسان بجهده في التأثير على صفة الشيء وحركته فأخرجه عن مساره ( عربيته ) وأصابه التحريف والتشويه الذي يترتب عليه اختلافه مع عربية الوجود مما يؤدي إلى الاضطراب والتناقض وظهور الفساد الاجتماعي والبيئي . فكل إنسان ليس عربياً فهو عجمي قطعاً , ولا علاقة لذلك بالقوميات فممكن أن يكون الإنسان عربياً من حيث المضمون فقط . بمعنى أن مفاهيمه وسلوكه منضبطة بالفطرة والعلم ومنسجم مع سنن الكون , فيصير إنساناً صالحاً على صعيد المجتمع والبيئة , ولو كان يستخدم أصواتاً غير عربية . فالعربية هي صفة ومنهج تعامل مع الواقع ، ومن هذا الوجه نزل القرآن عربي الحكم واللسان ، واتصف بالصفة الإنسانية . لذا ينبغي التركيز على هذا المفهوم العربي الفطري وفصله عن الاحتكار القومي له ، ليرجع إلى ممارسة دوره الفاعل الإنساني ويصير مصطلح ( العربي ) يدل على المدح والنهضة لا علاقة له بصفة الإنسان القومي الذي احتكر مفهوم العربية لأفكاره ونمط حياته أبداً .
ومن هذا الوجه العربي للوجود أخذ اللسان العربي صفته بأنه لسان أصيل فطري وهو أم اللغات ومركزها ، وأخذ صفة العلمية بنشأة أصوات أحرفه بصورة فيزيائية وتم استخدام هذه العناصر مع بعضها حسب دلالتها في الواقع ، فكانت الكلمة العربية هي صورة صوتية لحال أو حركة أو وظيفة الشيء الذي هو محل الخطاب ليصير الواقع هو القاموس المُجَسِّد لمدلولات كلمات اللغة العربية , ونزل القرآن بلسان عربي وحكم عربي ونظام عربي فربط بين الكلمة ومحلها من الواقع ، وضبط مفاهيم وسلوك الإنسان والمجتمع مع حركة ونظام الكون لينتج عن هذه التوليفة الانسجام والتكامل والتناغم بينهم بصورة منظومة كلية واحدة تحكم الجميع . لماذا هزمنا نحن العرب هزيمة أولى وثانية وثالثة ورابعة وخامسة ؟ نطرح السؤال الأهم والمستعجل والذي لا يقبل التأجيل :لماذا هزمتنا اسرائيل ؟ لماذا هزمتنا دولة صغيرة ناشئة بمساحة جغرافية ضيقة , دون أن نرد عليها سوى بشعار الصمود والتصدي وكأننا امة مخلوقة من طينة غير طينة الأمم , الأمم التي تقبل التحدي والمواجهة , وتنهض كإعصار يدمر من دمرها , ويهزم من هزمها ودنس أرضها .
والى الآن مازلنا نفتقر إلى شجاعة طرح السؤال . لماذا هزمنا نحن العرب هزيمة أولى وثانية وثالثة ورابعة وخامسة ؟ ما هي الأسباب ؟ هل أسباب هزائمنا هو الضعف ؟ ما هي أسباب الضعف ؟ هل الأمة ضعيفة بسبب التخلف والجهل أم الاثنين معا ؟ ولماذا تنوء الأمة تحت كاهل التخلف والجهل والفقر ؟ من فقرها وخلفها وجهلها ؟ هل نلقي باللوم على الخارج ونحمله وزر هزائمنا ؟ هل الخارج لعنة سماوية لا براء منها ؟ هل نلغي العالم ونبقى لوحدنا حتى نرتاح من التآمر . ونحن ما هو دورنا ؟ لماذا لم نستطع حتى الآن دخول عصر الحداثة ؟لماذا إسهاماتنا الاقتصادية والعلمية والصناعية والثقافية لا تذكر قياسا إلى الكثير من دول العالم ؟ هل يملكون عقولا لا نملك نحن مثلها ؟ هل جيوشنا سبب هزائمنا ؟ هل الجيوش هي من فرطت في الأرض ؟ أليست هي المسئولة عن تحرير الأرض ؟ لماذا ركنت هذه الجيوش إلى حياة الدعة والفساد ؟ لماذا تصرف الأموال الطائلة من قوت الناس على الجيوش بلا فائدة ؟ لماذا تحولت قادة الجيوش المهزومة أمام اسرائيل إلى نمور متنمرة على شعوبها ؟لماذا أفرزت هذه الجيوش بعد هزائمها حكاما مستبدين فاسدين همهم التسلط والتجهيل والقمع والنهب ؟ لماذا جيوشنا منهكة وضعيفة وتولي الأدبار بعد بدء المعركة بساعات قليلة ؟ هل الفساد المستشري بين صفوف الجيوش العربية هو السبب ؟ هل تركيبة الجيوش العربية القائمة على القبلية والعشائرية والطائفية هي سبب هزائمنا ؟ هل ضعف القيادات التعليمي وطريقة تلقينهم فنون القتال هي السبب ؟ هل ألامية المتفشية بين أكثرية أفراد الجيوش العربية هي احد أسباب الهزائم ؟
هل سبب ضعف الجيوش العربية هو تسلم قيادات الفرق والألوية والأفواج والكتائب بحسب الولاء وليس بحسب الكفاءة ؟
كيف نحل المعضلة ؟
هل تبقى الجيوش خطا احمر لا يجوز نقد أدائها ؟ ولماذا يبقى خطا احمرا ؟
ما هي الأسباب ؟
أما المواطن الذي تجرع هوان الهزيمة تلو الهزيمة , لماذا لا يحق له طرح الأسئلة حول جيشه ؟
لماذا لا يحق للمواطن الاحتجاج على نوعية معاملة الجيش لعناصره من الجنود الذين حولوا وجودهم المؤقت إلى مشروع استثماري حتى تزداد ثروات الضباط ؟
لماذا لا يحق للمواطن مثلا التساؤل عن صمت الجيوش العربية على احتلال الأرض ؟
ألا تكفي ثلاثون سنة , أربعون سنة من الاحتلال حتى نفكر بإعادتها ؟
هل نعزز قدرات جيوشنا القتالية والمعرفية ونعتمد عليها في تحرير الأرض وتكون هذه الجيوش خاضعة للمسائلة والمحاسبة ؟
هل نعتمد حرب التحرير الشعبية لتحرير الأرض ؟ وإذا اعتمدنا حرب التحرير الشعبية , هل يشترك ويشرف عليها حزب واحد أم عدة أحزاب أم كل فئات الشعب ؟
هل يعطى وكالة لطائفة لتحرير الأرض ؟ من هي الأطراف المنظمة للمقاومة ؟ هل السلطات الناهبة لثروات الوطن يمكن أن تكون وطنية ؟
الاستبداد لم يستطع تحرير شبر واحد خلال أربعين سنة هل يستطيع الاستبداد الآن تحرير ما عجز عن تحريره خلال أربعين سنة ؟
وهل يستطيع الإنسان المقموع , المقهور , الخائف , المفقر , المذل , المهان , من أنظمة الاستبداد أن يفكر بتحرير الأرض قبل أن يحرر نفسه؟
مئات الأسئلة وأكثر يجب أن تطرحها الأمة بكل فئاتها , عليها أن تطرح الأسئلة فلا بد من مخرج , ولابد من التغيير , فلدى الأمة توق لهزيمة من هزمها كل هذه الهزائم , وهي تدرك أن توقها لهزيمة عدوها الداخلي والخارجي لا يمكن أن يتحقق بدون الحرية والعدال