خطوة لبنانية كبرى

يمكن القول إن لبنان قد خطا إلى الأمام خطوة كبرى بإقرار مجلس وزرائه أمس الأول البيان الوزاري دون أي تعديل على صيغته النهائية كما وردت إليه من لجنة الصياغة، حيث سيمثل هذا الإقرار وبما تضمنه البيان من توافق على مشروعية سلاح المقاومة اللبنانية مرتكزات يمكن البناء عليها الدولة اللبنانية بالمفهوم الشامل لمعنى الدولة، وما يعني أيضًا زوال كل المماحكات والحساسيات التي كانت قائمة سابقًا وإحلال أجواء الوفاق ووحدة الموقف والمصير، وهذا في حد ذاته يعكس مدى الرشد السياسي والمستوى الثقافي ورقي التفكير الذي وصل إليه الفرقاء اللبنانيون، واضعين نصب أعينهم الانتصار على الذات وتغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية أو الطائفية.إن لبنان بحاجة إلى مثل هذا التوافق الجميل باعتباره سمة عظيمة من سمات التركيبة المجتمعية اللبنانية الجميلة، والتي بتوافقها أصبح ينظر إليها على أنها مثال يحتذى؛ فهناك دول عديدة تعاني من عدم التوافق بسبب الطبيعة الصعبة للتركيبة السكانية والتكوين المجتمعي فيها وقد أعيتها الحيل للوصول إلى نوع من الانسجام التام، فأخذت تتمنى بل حاولت أن تطبق النموذج اللبناني المميز ولكن دون جدوى. ولا يخفى أن لبنان اليوم محط أنظار للمتربصين والطامعين في المنطقة، وينظرون إليه على أنه بيئة خصبة لتحقيق مشاريعهم الاستعمارية، كما أنه لا تزال أجزاء من أراضيه محتلة من قبل الكيان الإسرائيلي كمزارع شبعا وكفر شوبا والغجر، ولم يخفِ المحتل الإسرائيلي مشاريعه وأطماعه من احتلاله هذه الأراضي، بل إنه يخطط للسيطرة على مياه نهر الليطاني، ولم ينفك طيرانه الحربي عن التحليق وانتهاك السيادة اللبنانية، كما لم ينقطع عن دس الدسائس للإخلال بالتوازن السياسي والطائفي في لبنان عبر شبكات التجسس والعملاء والقيام بعمليات اغتيال واستهداف لرموز لبنانية، فضلاً عن سياسة التحريض والإملاء التي يمارسها في السر والعلن مع حلفائه ومناصريه بهدف فكفكته داخليًّا ليوجد نوعًا من الفراغ الأمني والسياسي ليعيث فسادًا، مُتصورًا قدرته على القضاء كل نَفَسٍ لبناني مقاوم، ليتمكن فيما بعد من تحقيق هدفه الأكبر وهو توطين اللاجئين الفلسطينيين.كل ذلك كافٍ ليكون مبررًا لالتفاف جميع اللبنانيين حول هدف واحد وهو الحفاظ على السيادة اللبنانية وتطهير الأرض من دنس الاحتلال، ولا سبيل إلى ذلك إلا بوحدة الكلمة والصف ووحدة المصير، وهذا لن يتحقق إلا بالاعتراف بمشروعية المقاومة وسلاحها، والتفاف المقاومة مع الحكومة اللبنانية والمؤسسة العسكرية والعكس صحيح، ليشكلوا جميعًا رمحًا ينحرون به كل من تسول له نفسه المساس بالوطن هذا من جهة، ومن جهة أخرى هذا التلاحم لن يترك فرصة لمن يريد أن يسيس المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. ولذلك كل الأمل في أن يتمكن مجلس النواب من إقرار البيان الوزاري بما فيه البند السادس والذي سيبدأ مشاوراته ودراسته اعتبارًا من الاثنين المقبل، للبرهنة على القدرة على الانتصار على الذات وبذل كل غالٍ ونفيس من أجل لبنان، ومنح الثقة للحكومة سريعًا لتتمكن من مباشرة أعمالها وتلبية احتياجات لبنان دولةً وشعبًا، خاصة وأننا بدأنا نشهد عودة المياه إلى مجاريها في القنوات المسيحية، حيث تحول اجتماع مجلس المطارنة الموارنة الشهري الذي عقد أمس الأول برئاسة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير بعد انضمام رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون إليه، إلى جلسة مصارحة وأسئلة وأجوبة بين عون من جهة والمطارنة من جهة ثانية، حيث تمحورت هذه الجلسة حول المصالحة المسيحية ـ المسيحية، وقضية السلاح وموقف بكركي منها، والتطورات المقبلة على لبنان. وكما أكد عون أن اللقاء كان تاريخيًّا وهدف إلى توضيح المواقف والمنطلقات السياسية لهذه المواقف لأنها تزيل الغموض من ناحية المنطلق ومن ناحية الغاية التي اتخذت من أجلها.