الاستراتيجية الأمريكية الجديدة نحو السودان

منذ وصول إدارة الرئيس الامريكي الجديد باراك إوباما الي البيت الأبيض في مطلع هذا العام‏,‏ وهناك الكثير من التساؤلات حول السياسة التي سوف تتبعها الإدارة الديمقراطية الجديدة تجاه السودان‏,‏ حيث جاء أوباما عقب ثماني سنوات من سياسة جورج بوش الإبن التي شهدت تحولات كبيرة وغير مسبوقة في السودان تمثلت في توقيع اتفاقية السلام الشامل نيفاشا بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والحكومة السودانية‏,‏ وهي الإتفاقية التي أحدثت تحولات هيكلية وجذرية في مسار الأزمة السودانية ومنحت الجنوب حق تقرير المصير الذي يقترب موعد إستحقاقه الآن في يناير‏2011,‏ حتي أصبحت العمليات السياسية الرئيسية في السودان تتمحور منذ ذلك الوقت حول تطبيق هذه الإتفاقية أو معالجة التداعيات الناتجة عنها‏.‏ومن المعروف أن إدارة جورج بوش لعبت الدور الاكبر في دفع الطرفين إلي التفاوض وتوقيع الإتفاق‏,‏ كما أنه من المعروف أيضا أن الهياكل الرئيسية في الاتفاقية والتي قامت علي فكرة محورية هي تحويل السودان إلي دولة واحدة بنظامين‏,‏ قد وضعت من قبل واشنطن‏,‏ وتم التنفيذ عبر الرعاية الامريكية المباشرة بواسطة أول مبعوث رئاسي عينه جورج بوش الابن في‏5‏ سبتمبر‏2001‏ وهو السيناتور جون دانفورث‏.‏إرتباكات داخلية وخارجيةإلا أنه رغم الإنجاز المتمثل في وقف الحرب الأهلية في جنوب السودان‏,‏ فإن الطريقة والمضامين التي إحتوتها البروتوكولات الستة لإتفاقية نيفاشا لم تؤد إلي تحول السودان إلي الإستقرار‏,‏ بسبب حالة السيولة التي خلقتها هذه الإتفاقية من جراء العمليات الواسعة التي نصت عليها لإعادة هيكلة السلطة والثروة والنظام السياسي في السودان‏,‏ ومما زاد الطين بلة أن عمليات التحول هذه كانت تتم في ظل غموض هائل وضبابية كثيفة تكتنف مستقبل وحدة التراب السوداني‏,‏ التي ظلت معلقة بنتائج الاستفتاء علي حق تقرير المصير‏,‏ الأمر الذي جعل هذه القضية المصيرية والحاسمة عرضة للمناورات السياسية قصيرة النظر‏,‏ وللتلاعب بها في ظل الأجندات السياسية المحدودة للقوي السياسية السودانية‏,‏ وإستخدامها كآلية أساسية في عملية التحالفات المتحركة بشكل مستمر سعيا لتحقيق أهداف سياسية تتعلق بالوصول الي السلطة من جانب البعض او التشبث بها من جانب البعض الآخر‏.‏وفي ظل هذا الخضم وقبل التوقيع النهائي علي اتفاقية نيفاشا‏,‏ والذي تم في‏9‏ يناير‏2005‏ اندلعت ازمة دارفور بأبعادها المتشابكة‏,‏ وسرعان ما إتسع نطاقها لتشمل دخول اطراف اقليمية ودولية متعددة‏.‏ ولاسباب عديدة ومتداخلة إتجهت أزمة دارفور للتعقد المتزايد‏,‏ وتدخلت فيها المحكمة الجنائية الدولية‏,‏ التي خلق مدعيها العام أزمة هائلة عبر توجيهه إتهامات مباشرة للرئيس البشير بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية و إبادة في دارفور‏,‏ وطلب مثوله امام المحكمة‏,‏ وسبق ذلك حدوث العديد من الأزمات مثل أزمة نشر القوات الدولية وفشل اتفاق ابوجا للسلام في دارفور‏,‏ وما ترتب علي ذلك من فشل كل محاولات التسوية السياسية للازمة‏,‏ ثم تشرذم الحركات المسلحة في دارفور‏.‏كل هذه التطورات كانت تتم برعاية وتوجية السياسة الأمريكية التي كانت تميل إلي إستخدام سياسة العصا والتلويح بها بإستمرار ضد الحكومة السودانية‏,‏ في محاولات غير ذات جدوي للتأثير في توجيه مسارات الأزمة السودانية‏,‏ وجذبها نحو الرؤي الامريكية التي ظلت واضحة في أهدافها الكلية المتعلقة بالسيطرة علي الثروات السودانية وإخراج الصين‏,‏ وإقامة نظام بديل في السودان يتوافق مع مصالح واشنطن الأمنية والإقتصادية‏,‏ ولكنها ظلت غير واضحة علي مستوي الآليات التي سيتم عبرها الوصول إلي هذه الاهداف وهل سوف يتضمن ذلك تشجيع الإبقاء علي الوحدة أم إنفصال الجنوب‏,‏ وماهو الوضع المستهدف في دارفور بالدقة بعد العديد من المواقف التي بدت لكثير من المراقبين غير مفهومة مثل الضغط الهائل من أجل إنجاز وتوقيع إتفاق ابوجا‏,‏ ثم تركه بعد ذلك مباشرة لكي ينهار‏,‏ بل والتشجيع علي إضعافه‏.‏ربما يعود السبب في ذلك إلي أن التعددية السودانية الواسعة وما صحبها في العقد الأخير من العودة إلي الانتماءات الأولية الجهوية والقبلية والإثنية‏,‏ أصبحت ذات طبيعة مراوغة لايمكن التحكم فيها أو السيطرة علي ردود أفعالها‏,‏ بالإضافة إلي وقوع إدارة بوش في فترتيها‏,‏ تحت ضغوط هائله من الإعلام المسيس الساعي لتحقيق أهداف مبرمجة مسبقا تدعو إلي التشدد الهائل‏,‏ وبالذات من تحالف‏’‏ إنقاذ دارفور‏’‏ المرتبط بالقوي الصهيونية داخل الولايات المتحدة‏,,‏ الأمر الذي أدي إلي حدوث نوع من الإرتباك في السياسة الامريكية وإتساع درجة الخلاف بين الكونجرس والخارجية والبيت الابيض وأجهزة الأمن القومي الامريكية‏.‏وقد أدي ذلك كله إلي تحول الازمة السودانية إلي قضية داخلية في الولايات المتحدة تخضع لضعوط الاعلام وجماعات المصالح التي تسعي إلي تحقيق مصالح من يقفون وراءها‏,‏ وجري إتهام إدارة بوش رغم كل مواقفها المتشدة بانها تتحرك كثيرا ولا تفعل شيئا‏,‏ في حين أن هناك مواقف إخري كثيرة من داخل المنطقة ـ مثل بعض الاطراف الاقليمية وبعض الأطراف السودانية ـ كانت تري أن سياسة واشنطن القائمة علي الضغط العنيف والمستمر علي جانب واحد ـ هو الحكومة السودانية ـ ساهم إلي حد كبير في إحداث هذا التعقد والتشرذم الهائل علي كل المستويات‏,‏ ووجه رسائل خاطئة إلي الأطراف السودانية المتنازعة‏,‏ الأمر الذي أدي في النهاية إلي وضع كيان الدولة في السودان موضع التساؤل‏,‏ وجعل من سيناريو التفكك أو التحول إلي الفوضي أمرا محتملا‏.‏الصراعات داخل إدارة أوبامافي الحملة الانتخابية التي سبقت الفوز تبنت حملة إوباما بعض المواقف المتشددة تجاه أزمة دارفور بالذات‏,‏ لما اصبحت تحمله هذه الأزمة من بعد إعلامي ودعائي‏,‏ ووردت بعض الإشارات في حملة إوباما إلي تبني حظر جوي علي دارفور‏,‏ علي غرار ما كان حادثا في المنطقة الكردية في عهد صدام حسين‏,‏ كما إقترحت‏’‏ سوزان رايس‏’‏ التي عينت بعد ذلك مندوبة لواشنطن في الإمم المتحدة‏,‏ توسيع منطقة الحظر الجوي حتي تصل إلي الخرطوم بهدف ضرب مطارات عسكرية هناك‏,‏ كما دعت إلي إستبدال الرئيس عمر البشير بشخص يتحالف مع الحكومة الأمريكية مثل الرئيس الأفغاني حامد كرزاي‏.‏ غير أنه من المعروف أن السياسات الواقعية للإدارات الامريكية تختلف ـ طبقا لمقتضيات الواقع والمصالح ـ عما يتم إعلانه في الحملات الانتخابية‏.‏وقد أشارت العديد من التقارير والكتابات إلي وجود تنازع داخل إدارة اوباماـ بعد توليه ـ بين تيار يدعو إلي التشدد عبرت عنه وزارة الخارجية الامريكية بشكل واضح من خلال تصريحات ومواقف‏’‏ سوزان رايس‏’,‏ وبدرجة أقل تشددا وزيرة الخارجية‏’‏ هيلاري كلينتون‏’,‏ وبين إتجاه آخر يدعو إلي التحول إلي إستراتيجية جديدة تقوم علي الحوار وتبني الأهداف المشتركة‏,‏ وتمثله‏’‏ سامنتا باور‏’‏ العضو الفاعل في مجلس الامن القومي الامريكي والمقربه من الرئيس أوباما‏,‏ وهذا الإتجاه الداعي إلي مراجعة السياسة وتعديل توجهاتها‏,‏ كان يستند بشكل قوي علي أن حصيلة سياسات إدارة بوش لم تكن مشجعه‏,‏ وانه لم يحدث أي تقدم في الأوضاع بإتجاه تحقيق الأهداف المنشودة‏,‏ بل حدث العكس‏.‏ في حين أن الإتجاه الداعي إلي الإستمرار في التشدد وإتخاذ اجراءات تصعيديه‏,‏ كان يري أن حزب المؤتمر الوطني المهيمن علي السلطة في الخرطوم لن تجدي معه سياسات الحوار‏,‏ وأنه سوف يفهم هذه الرسالة بشكل خاطئ‏,‏ وأن ذلك سوف يؤدي إلي إطالة بقائه في السلطة دون داع لذلك‏.‏ولكن مع تعيين اوباما للجنرال‏’‏ سكوت جريشن‏’‏ مبعوثا رئاسيا خاصا للسودان‏,‏ قويت كفة الإتجاه الداعي إلي إعادة صياغة السياسة الامريكية تجاه السودان‏,‏ حيث توجه‏’‏ جريشن‏’‏ عدة مرات إلي السودان وإلتقي كل الأطراف وإستمع بصبر وشدد علي أهمية الحوار والتعاون وتبني الاهداف القائمة علي شراكة إستراتيجية‏,‏ كما عمل‏’‏ جريشن‏’‏ بشكل لصيق مع طرفي حكومة الوحدة الوطنية للتقريب بين وجهات النظر والمساعدة علي تجاوزأزمة ابيي‏,‏ وإتبع نهجا مماثلا تجاه أزمة دارفور بمحاولات جادة ومتكررة لتوحيد الحركات المسلحة الدارفورية لتسهيل عملية التفاوض‏,‏ وتعاون في سبيل ذلك مع مصر وليبيا وزار تشاد واثيوبيا عدة مرات‏,‏ وذهب الي قطر ولم يتجاهل دور الاطراف الدولية الاخري فاجتمع مرتين مع مبعوثي الدول الكبري الخاصين بالسودان‏(‏ روسيا وبريطانيا وفرنسا والصين‏),‏ مرة في قطر والثانية في موسكو‏.‏غير أنه يمكن القول أن أهم ماجاء به جريشن هو النهج الذي إتبعه في التعامل مع الأزمة السودانية بتجلياتها المختلفة‏,‏ والذي يقوم علي تحديد الاهداف والسعي إليها عبر التعاون والتشجيع والشراكة مع الأطراف المختلفة‏-‏ وهو أمر يتطابق مع الإستراتيجية العامة التي يدعو لها إوباما‏-‏ مع التخلي عن منهج الضغط المستمرعلي طرف واحد كما فعلت إدارة بوش‏.‏وفي هذا السياق تجاوزالجنرال جريشن الخطوط الحمر حين أعلن أنه لاتوجد إبادة جماعية في دارفور‏,‏ رغم أنه تحفظ في إطلاق هذا الوصف وربطه‏(‏ بالوقت الحالي‏)‏ إلا أن ذلك لم يقبل منه‏,‏ ثم تجاوز خطا أحمر آخر‏,‏ وأعلن أن أجهزة الإستخبارات الامريكية ليس لديها دليل مقنع علي أن السودان يدعم الارهاب‏,‏ وأنه لذلك يجب رفع اسم السودان من القائمة السوداء‏.‏أدت هذه التصريحات ومجمل مواقف‏’‏ جريشن‏’‏ إلي إنطلاق حملات قوية من جماعات الضغط وجوقة ممثلي هوليوود تطالب بتنحيته‏,‏ كما سارعت الوزيرة كلينتون إلي نفي تصريحاته وقالت ان السياسة الرسمية لامريكا مازالت تري أن هناك إبادة في دارفور‏.‏وقد ظهر أثر هذه الحملات‏,‏ بالإضافة إلي التنازع الداخلي القائم داخل الادارة الامريكية بشأن إعادة صياغة السياسة تجاه السودان‏,‏ في تراجع جريشن‏’‏ التكتيكي‏’‏ وإعلانه انه يؤيد مبدأ العقوبات الذكية‏,‏ كما ظهر ذلك أيضا في تبني إوباما لمصطلح الإبادة الجماعية في خطابه إلي إفريقيا والذي ألقاه في غانا‏,‏ الأمر الذي حدا ببعض المسئولين السودانيين إلي القول بأن التعامل مع الصقور من أمثال‏’‏ سوزان رايس‏’‏ ربما كان أكثر عملية من التعامل مع‏’‏ جريشن‏’‏ الذي يبدو أنه علي الطريق الصحيح للمساعدة علي تجاوز التعقيدات المتكاثرة‏,‏ لكنه غير قادر حتي الآن علي تمرير أفكاره ورؤاه‏,‏ في حين أن أمثال‏’‏ رايس‏’‏ يمكن مواجهتها‏,‏ والوصول إلي تفاهم معها في نهاية المطاف‏.‏إلا أنه كان من الواضح أيضا أن مثل هذه المقولات تتسم بالتعجل وتفتقر إلي الدقة‏,‏ فالمسألة ليست في الطروحات أو الحوارات المستندة إلي الموضوعية أو المنطق‏,‏ أو القدرة علي الاقناع ولكن في الإرتباط بالأجندات والخضوع للضغوط والابتزاز من المنظمات ومجموعات المصالح‏,‏ الأمر الذي يترك آثاره علي المسئولين الامريكيين وصولا الي الرئيس الذي يتطلع الي إعادة إنتخابه‏.‏الاستراتيجية الامريكية الجديدةاعتمدت الاستراتيجية الامريكية الجديدة التي تم اعلانها في إكتوبر الماضي علي ثلاثة محاور أساسية علي النحو التالي‏:‏‏1-‏ السعي لنهاية مؤكدة للنزاع وانتهاك حقوق الإنسان والإبادة في دارفور‏.‏‏2-‏ تطبيق اتفاقية السلام بين الشمال والجنوب من أجل خلق إمكانية السلام البعيد الأمد‏.‏‏3-‏ العمل بشدة علي ضمان عدم توفير السودان مأوي للإرهابيين الدوليين‏.‏وفي رد الفعل الأول للحكومة السودانية رفضت الخرطوم إستخدام واشنطن لعبارة‏’‏ إبادة‏’‏ لوصف النزاع في دارفور‏,‏ واعتبرت أنه‏(‏ من المؤسف‏)‏ إستمرار اللجوء إلي هذه العبارة‏.‏غير أن غازي صلاح الدين مستشار الرئيس السوداني عمر البشير والمشرف علي ملفي دارفور والعلاقة مع الولايات المتحدة‏,‏ إعتبر أن السياسة الجديدة للولايات المتحدة في السودان تحمل نقاطا إيجابية يمكن التعامل معها‏.‏وللوهلة الاولي يمكن القول ان الاستراتيجية الجديدة قد جاءت كحل وسط بين الطرفين اللذين كانا يختلفان حولها داخل الإدارة‏,‏ هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية‏,‏ وسوزان رايس السفيرة في الأمم المتحدة في الجانب المتشدد‏,‏ والجنرال المتقاعد سكوت جريشن مبعوث إوباما الخاص للسودان في الجانب الآخر‏,‏ حيث شملت مزيجا من الضغوط والحوافز لحث حكومة الخرطوم علي إحلال السلام في إقليم دارفور المضطرب وتسوية النزاعات مع حكومة جنوب السودان ذات الاستقلال الذاتي والقيام بتعاون أكبر مع حكومة الولايات المتحدة في وقف الإرهاب الدولي‏.‏ كما تقدم الخطة للخرطوم مسارا لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة إذا ما بدأت في التعامل مع القضايا التي كانت مثار قلق الولايات المتحدة منذ أمد بعيد‏.‏وقد تصاحب الاعلان عن هذه الاستراتيجية الجديدة التي تضمنت الربط بين النزاع في دارفور واتفاقية السلام بين الشمال والجنوب‏,‏ كعنصر جديد في استراتيجية واشنطن تجاه السودان‏,‏ مع صدورعدة تصريحات رسمية من سوزان رايس تصف السياسة الجديدة بأنها تحمل الجزرة والعصا معا‏,‏ حيث قدمت واشنطن إغراءات بشطب إسم السودان من قائمة الإرهاب ورفع مستوي التمثيل الدبلوماسي معه‏,‏ أما إذا لم يلتزم بتحقيق السلام في دارفور وفي الجنوب‏,‏ فانه سيواجه زيادة العقوبات عليه‏,‏ مع وجود قدر كبير من التحفظ في ذكر التفاصيل‏,‏ التي ذكر أن الإفصاح عنها قد يضر بفاعليتها ومن ثم جري الإحتفاظ بها في طي الكتمان‏.‏كما دافعت سوزان رايس عن الإستراتيجية الجديدة‏,‏ وأثنت علي الجنرال جريشن‏-‏ فيما إعتبر مؤشرا علي انتصار جزئي لاتجاهات الجنرال في الصراع داخل الإدارة الأمريكية حول السودان‏,‏ حيث قالت‏’‏ انه يتمتع بخبرة كبيرة في أفريقيا‏.‏ وقضي سنوات كثيرة هناك‏(‏ كان والده مبشرا في الكونغو‏).‏ ويجيد لغات أفريقية عدة‏.‏ كما أنه يحظي بدعم الرئيس باراك أوباما‏.‏وفي إجابة عن سؤال عن المنظمات الأمريكية التي إنتقدت سياسة أوباما الجديدة نحو السودان‏,‏ وطلبت منه عزل الجنرال جريشن‏,‏ قالت رايس‏’‏ إنها تحترم آراء هذه المنظمات‏,‏ وتعرف أن المنظمات حريصة علي إنهاء الإبادة في دارفور‏’,‏ وأشارت إلي أن السياسة الجديدة‏’‏ شاملة‏’,‏ وهي عن دارفور وعن جنوب السودان‏,‏ وأيضا عن احترام حقوق الإنسان في كل السودان‏,‏ بما في ذلك إجراء انتخابات حرة ونزيهة‏.‏ وعن التفاوض مع الرئيس البشير المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية‏,‏ قالت رايس‏’‏ اننا لانتفاوض معه مباشرة ولكن نتفاوض مع مستشاريه ومساعديه‏,‏ وان هذا أمر واقع‏,‏ حيث نحتاج إلي أن نتفاوض مع جهة لتنفذ مطالبنا‏’.‏ماهو الجديد؟الجديد في الأستراتيجية أنها تعيد الديبلوماسيين والمهنيين والأجهزة المعنية إلي صدارة المشهد والصورة مرة أخري من خلال إطار عام متفق عليه‏,‏ كما أنها تعطي القيادة بصورة واضحة للمبعوث الرئاسي الخاص في تنفيذ وترجمة الإستراتيجية وتفصيلاتها‏,‏ إذ أنها لا تزال تمثل خطوطا عريضة‏.‏ ولعل هذا يحل أحدي مشكلات المبعوثين الذين كانوا يتعرضون للكثير من المعوقات من قبل العاملين بوزارة الخارجية‏.‏إلي جانب هذا فأنها قد تحولت من الهدف غير المعلن المتعلق بتغيير النظام في الخرطوم إلي التعاطي معه‏,‏ وهو ما تم التعبير عنه في إطار الدروس المستفادة من ضرورة التعامل الكلي مع مشاكل السودان‏,‏ فلا يتم التركيز علي دارفور خصما علي الإهتمام بالجنوب أو العكس‏,‏ وكذلك التعامل مع كل الفاعلين علي الساحة‏,‏ بما في ذلك إولئك الذين تختلف واشنطون معهم‏.‏وفي مفارقة ملحوظة للنهج السابق لادارة بوش‏,‏ تحدثت الأستراتيجية عن المطلوبات من حكومة الجنوب وأن عليها التزامات كذلك تجاه تنفيذ اتفاقية السلام ووضع أولويات لفض النزاعات وبناء القدرات والشفافية وأعمال مبدأ المحاسبة‏,‏ وذلك حتي يمكن للعون الأمريكي والخارجي عموما أن يساعد في التأثير في الوضع القائم إلي الأفضل‏.‏ أي أن تنفيذ أتفاق السلام لا يقع عاتقه علي حزب المؤتمر الوطني الحاكم وحده‏.‏فالإستراتيجية ركزت بداية علي دارفور هدفا أول وإستكمال تنفيذ إتفاقية السلام مع الجنوب هدفا ثانيا حتي الأستفتاء وتبعاته‏.‏ وهذان الهدفان طبيعتهما مرحلية الي حد ما‏,‏ كما انهما يختصان بالشأن السوداني‏,‏ بينما الهدف الثالث وهو العمل علي منع تحول السودان الي منطقة تحتضن الأرهابيين‏,‏ فهو الهدف الذي سيستمر علي المدي الطويل‏,‏ ويمكن النظر إليه من زاويتين‏:‏ إولاهما ألا يعود السودان إلي ما كان عليه في مطلع عهد الأنقاذ‏,‏ عندما كانت كل التنظيمات التي تصفها واشنطون بالإرهاب تجد الترحيب في الخرطوم‏,‏ أو ـ وهذا هو الأهم ـ ألا ينزلق السودان الي مرحلة الصوملة‏,‏ علما أن وضع السودان الإستراتيجي يجعل تأثيره السلبي في كل المنطقة المحيطة به‏,‏ أكبر وأكثر خطورة‏.‏وهكذا يبدو من منطوق هذا الهدف أن السياسة الامريكية سوف تشجع عمليه الإستقرار في السودان‏,‏ في الوقت الذي تحرص فيه واشنطن حتي الآن علي إبقاء موقفها غامضا فيما يتعلق بإنفصال الجنوب وكيفية معالجة التداعيات التي سوف تترتب عليه‏,‏ الأمر الذي يعني في نهاية المطاف أن هذه الإستراتيجية مرحلية وصولا الي مطلع عام‏2011,‏ وسوف تتبعها بالضرورة إعادة تقييم جديدة‏.‏