خبراء يناقشون في القاهرة تنامي الدور التركي في المنطقة

قال خبراء مصريون إن تركيا اتبعت في استراتيجياتها منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم سياسة القوة الناعمة والتمدد شرقاً في إطار موازٍ لاندفاعها نحو الغرب بهدف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتوقع هؤلاء دخول تركيا في تحالفات عربية في المنطقة من شأنها تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي بين الأطراف المتحالفة، لافتين إلى حالة التقارب مع العديد من الأطراف العربية التي أثمرت اتفاقيات ثنائية خاصة مع دول الخليج وسوريا ومصر والسعودية .
الخبير الاستراتيجي اللواء أحمد فخر رئيس المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية قال أمام مؤتمر "تطور الدور الإقليمي لتركيا وأثره في الأمن والاستقرار في المنطقة" والذي نظمه المركز الأربعاء الماضي، إن تركيا ظلت طويلا ذات تطلعات نحو مستقبل أوروبي، إلا أنه بحكم التواجد الاستراتيجي والسياسي والاجتماعي والديني لتركيا، بأنها كانت تعتبر الحاضر الغائب في الشأن الشرق أوسطي، فقد لعبت تركيا دورا محوريا في المنطقة أخذ في النمو والتصاعد، مستندة في ذلك إلى تقبل دول المنطقة للتعاون معها بسبب الموقع والذاكرة التاريخية المشتركة، وباعتبارها قوة جذب جديدة قد تقدم بديلا لأدوار قديمة، ما يعطيها مكانة جديدة، ودورا مهما في لعبة التوازنات والتناقضات الإقليمية، ويجعلها شريكا فاعلا في رسم بعض السياسات .
وأضاف اللواء فخر أن ما يعزز الدور التركي في المنطقة هو حرصها على الحفاظ على وحدة الأرض العراقية وتقاربها من إيران عبر علاقات اقتصادية وسياسية، فضلاً عن قيامها بوساطة بين سوريا و"إسرائيل"، ودعا اللواء فخر إلى ضرورة اعتبار تنامي الدور الإقليمي لتركيا مكملا لتزايد الأمن الإقليمي .
ومن جانبه، قال اللواء الدكتور عادل سليمان مدير المركز إن وصول حكومة حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا عام 2002 شكل نقطة تحول مفصلية في السياسة التركية، لافتا إلى أن رفض البرلمان التركي نشر القوات الأمريكية في تركيا إبان غزو العراق عام 2003 كان بداية إرهاصات هذا التحول، وأضاف أن السنوات الأخيرة شهدت تفعيلا ملحوظا للدور التركي في المنطقة، ومحاولة للتأثير والوساطة في عدد من القضايا الرئيسية فيها، كان من أبرزها محاولات الوساطة بين سوريا و"إسرائيل"، وما أبدته أنقرة من استعداد للمساهمة في تسوية قضية الملف النووي الإيراني والوساطة بين تل أبيب وكل من بيروت والفلسطينيين، فيما اعتبر الدكتور سليمان مشاركة وزير الخارجية التركي علي باباجان في اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي، خطوة نحو الحوار الاستراتيجي ودعم التفاهمات والشراكة بين الطرفين، وكذلك استضافت اسطنبول لأول قمة تركية إفريقية حضرها 53 من رؤساء الدول والحكومات والوزراء بهدف تعزيز الشراكة التركية – الإفريقية في مختلف المجالات، لافتا إلى أن تلك القمة الإفريقية – التركية استهدفت حشد الدعم الإفريقي لحصول تركيا على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي لعام 2009-2010 .
فيما دعا المحلل السياسي والخبير بمركز دراسات الأهرام الدكتور حسن أبو طالب مصر والدول العربية إلى مراقبة الدور التركي في المنطقة بهدف بناء تحالفات جديدة من شأنها المساهمة في تأسيس نظام أمني إقليمي يقوم وفق استراتيجية المنفعة المتبادلة . مشدداً على أهمية أن تلعب مصر والسعودية وتركيا دورا في هذا النظام متوقعا تحالفا قريبا بينها .
وقالت أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتورة باكينام الشرقاوي إنه من خلال رصد حالة الحراك الدولي لتركيا خلال الشهر الفائت فقط سيتكشف حجم القوى الناعمة التي تتبناها تركيا في إطار استراتيجياتها في السياسة الخارجية، مشيرة إلى توفيق صراعها مع أرمينيا وقيام مسؤولين أتراك بزيارة شمال وجنوب العراق وتنسيق رفيع المستوى مع إيران في شأن الطاقة وتنشيط علاقاتها مع سوريا، بالإضافة إلى شروعها في تأسيس المجلس الأعلى للتنسيق الاستراتيجي مع اليونان مثلما الحال مع سوريا والعراق .
وقال مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية في القاهرة الدكتور مصطفى اللباد إن الدور التركي في الإقليم يحمل سمات وقسمات خاصة، ويشارك في الحراك الجاري في المنطقة بفعالية لأسباب متنوعة، ولكن على خلفية المصالح الوطنية التركية، مشيرا إلى أن عودة الدور التركي قلب التوازنات وعمليات الحراك الإقليمي، فأصبحت تسيطر اقتصاديا على منطقة الحكم الذاتي الكردي في العراق عبر امتلاك قسط كبير من السوق المحلية واستثمارات مباشرة في مشروعات البنية التحتية، وامتدت علاقاتها بسائر مناطق العراق .
واستطرد اللباد أن دور تركيا الإقليمي يتأكد عند علاقاتها بسوريا وأن هذا الدور برز في وساطة تركيا بين دمشق وتل أبيب، وكذلك بين دمشق وبغداد، وامتد هذا الدور إلى الملف الفلسطيني بالتنسيق مع مصر، وهو ما يعد إنجازا في نسج شبكة من العلاقات والنفوذ في كامل المشرق العربي، فضلا عن اتفاقات التفاهم الاقتصادي مع دول مجلس التعاون الخليجي .
وأرجع اللباد الدوافع التي حددت الدور الإقليمي لتركيا إلى الفراغ الكبير في المنطقة نتيجة انهيار النظام الإقليمي العربي خاصة بعد احتلال العراق عام ،2003 وأن تركيا ترسم سياستها الإقليمية بغطاء وتأييد من الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها ثقلا موازيا للدور الإقليمي الإيراني الذي لا ترضى عنه أمريكا، بالإضافة إلى أن تمدد الدور الإقليمي لتركيا يأتي بتكلفة سياسية أقل بكثير من العائد السياسي الذي تجنيه، فضلا عن إدراك قادة تركيا لأهمية الشرق الأوسط كمجال جغرافي وحيد في جوارها والذي يمكنها فيه لعب دور إقليمي من دون الاصطدام بقوى عالمية، بالإضافة إلى الصورة الإيجابية لتركيا عند شرائح عربية واسعة وإعجابها بالنموذج التركي .
وقال خبير الشؤون التركية وأستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة الدكتور إبراهيم البيومي غانم إنه بعد عقود على حالة الانكفاء داخل "هضبة الأناضول" والتصرف كدولة طرفية، أو هامشية في منظومة المعسكر الغربي، عاد الأتراك مع مطلع القرن الحادي والعشرين يطرقون أبواب السياسة العالمية بقوة، ويغذون السير للخروج من الوضع المتدني الذي فرضته عليهم التبعية لحلف الأطلسي، بعد أن وجدوا أنهم تحملوا أعباء كثيرة في سبيل حفظ الأمن الأوروبي والغربي عامة، في الوقت الذي حرمتهم فيه أوروبا من اقتسام ثمار التقدم الاقتصادي والاستقرار السياسي والتطور الديمقراطي، وأضاف غانم أن تركيا عادت تتلمس طريقها وذلك عبر إحياء نفوذها المفقود في المشرق الإسلامي .