نصر الله يعلن انخراط «حزب الله» في «النظام السياسي اللبناني»

لم تكن إطلالة الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله بالأمس، إطلالة عابرة، ولو أن الشاشة العملاقة، تستمر وسيلة تخاطب بينه وبين الجمهور الحزبي واللبناني والعربي والإسلامي، منذ أكثر من ثلاث سنوات، لاعتبارات متصلة بسلامته ومن خلاله سلامة الحزب والمقاومة.
لم تكن إطلالة عابرة أو عادية، ذلك أن الوثيقة السياسية الجديدة للحزب، لم تكن إلا محاولة لإعادة توثيق وقوننة ما قاله الحزب وأمينه العام في السنوات الأخيرة، في مناسبات عدة، وربما بصورة أكثر تفصيلية أحيانا، لكن مناسبة المؤتمر الحزبي السابع، الآتي بتأخير سنتين عن موعده، في هذه اللحظة التاريخية، إنما عكست حاجة الحزب الى وثيقة ملزمة لقيادة الحزب وكوادره، حيث صار لزاما عليها أن تكون منسجمة في مواقفها، الآنية والاستراتيجية، مع مضمون الوثيقة السياسية الجديدة.
وفي المقابل، قدم الحزب، للمرة الأولى منذ دخوله الندوة النيابية في العام 1992، وثيقة مكثفة تشكل مرجعا، للقاصي والداني، لمحاكاة ومحاكمة موقف الحزب من إشكاليات عدة أبرزها موقفه من المقاومة والدولة في لبنان والقضية الفلسطينية والعروبة والعلاقة مع إيران
وقد اختار «حزب الله» هذا التوقيت السياسي بامتياز كي يطل بوثيقته، وأن يتولى أمينه العام السيد حسن نصر الله تلاوتها شخصيا بنصها الكامل، في مؤتمر صحافي، نقلت وقائعه فضائيات لبنانية وعربية وإســلامية، وحظي باهتمام الإعلام الغربي، فيما كانت بعثات دبلوماسـية غربية تتابع وقائعه على الهواء مباشـرة، تمهيدا لإعداد تقارير حول قراءتها لأبرز ما تضمنه.
في الشكل، نجح الحزب في الهدف، بدليل الصدمة الايجابية العامة، لدى الجمهور اللبناني العريض، إزاء مضمون الوثيقة، ولو أن بعض ردود الفعل عليها لم تخل من انتقادات، ناعمة حينا، وحادة في أحيان أخرى، ذلك أن كل جهة استنسبت ما تعتقده مناسبا لها، كي تقول فيها ما تريد قوله سواء في الإيجاب أو السلب.
وفي التوقيت، بدا واضحا أن تراكم الأحداث، في الساحة اللبنانية، ومن حولها، على مدى السنوات الخمس الأخيرة، وتحديدا منذ ولادة القرار 1559 ومن ثم استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وصولا إلى الانتخابات النيابية الأخيرة، مرورا بحرب تموز 2006 واعتصام وسط بيروت وأحداث السابع من أيار 2008… كلها تطورات أملت خوض تجربة سياسية جديدة وشاقة، انتقل خلالها الحزب، للمرة الأولى منذ ولادته، من موقع المعارض، خارج المجلس النيابي ومن ثم داخله(بعد 1992) الى موقع الشراكة في السلطة السياسية (الحكومة)، أي أنه اصبح ملزما بتقديم مشروع. ولذلك جاءت الوثيقة، في هذا المفصل التاريخي، ولو متأخرة، خاصة أن الحديث عنها، داخل الحزب نفسه، انطلق للمرة الأولى، بعيد التحرير في العام ألفين مباشرة، لكنها أهملت لاحقا لاعتبارات حزبية ولبنانية.
في الشكل والمضمون، ها هو «حزب الله»، للمرة الأولى منذ «الرسالة المفتوحة» الأولى، التي أذيعت في العام 1985، بكل ما تضمنته من عناوين كبرى، معظمها جاء منافيا أو مخالفا للبيئة السياسية اللبنانية، يبادر إلى تقديم وثيقة سياسية راقية ومدروسة، يعلن من خلالها انخراطه الكامل في الشأن السياسي الداخلي، تاركا للبرامج أن تعلن في ضوء الورشة التي أطلقت بعد المؤتمر السابع ومن خلالها سيحدد الحزب رؤيته لكل ما يتصل بالشأن الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي والتربوي… الخ.
ولعل الإطلالة ولو السريعة، اليوم تحديدا، على «الرسالة المفتوحة» التي أذاعها السيد إبراهيم أمين السيد من حسينية الشياح قبل ربع قرن تقريبا، إنما هي كفيلة بتظهير مستوى التطور في رؤية «حزب الله»، إذ انطوت الوثيقة على لغة سياسية واقعية، جديدة، متواضعة إلى حد كبير، مختلفة عن لغة الثمانينيات، حيث كانت لغة «الرسالة المفتوحة» نظرية ووعظية وعقائدية وخشبية وفوقية، فضلا عن مضمونها «المتزمت» تبعا للحسابات اللبنانية والعربية وحتى الإسلامية!
طبعا، لا يحاول الحزب من خلال الوثيقة الجديدة، القطع بالكامل مع تاريخه، بل القول انه كبر وتطور وراكم وتلبنن وأصبح أكثر حداثة ونضجا ومسؤولية والدليل يكمن في مقاربة قضايا سياسية مشتركة، سواء على الصعد اللبنانية أو العربية أو الإسلامية تشي كلها بنضج نظري مصدره الأول نضج التجربة وغناها.
لم يتغير موقف الحزب جوهريا من الأميركيين أو الإسرائيليين في «الوثيقة الثانية» عما كانه في «الأولى». نعم تغيرت المقاربة. في الأولى، كان يقول «أعداؤنا هم اسرائيل أميركا، فرنسا والكتائب»… «أميركا أم الخبائث والمصائب».. «إسرائيل يجب أن تزول من الوجود».. على الكتائبيين أن يرضخوا «للحكم العادل وأن يحاكموا جميعا على الجرائم التي ارتكبوها بحق المسلمين والمسيحيين بتشجيع من أميركا وإسرائيل».
في الثانية، يذهب «حزب الله» نحو توصيف المشروع الأميركي والاسرائيلي ويشرح الحيثيات التي تدفعه لاتخاذ موقف من «المشروع» وليس من «الأميركي» نفسه أو من «اليهودي». يسري الأمر على العنوان الفلسطيني، حيث تقول الوثيقة في فصلها الثالث «فلسطين وقضية التسوية»، تستفيد من تجربة المقاومة ونجاحاتها لبنانيا وفلسطينيا وفشل المراهنة بالمقابل، على المشروع الأميركي ـ الاسرائيلي، وتتضمن مقاربة تفصيلية ممتازة، تحظى بمقبولية فلسطينية وعربية واسلامية، خاصة أنها تخلص الى الوقوف الثابت والدائم الى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته بثوابتها التاريخية والجغرافية والسياسية ودعمها لحركات المقاومة الفلسطينية ونضالها في مواجهة المشروع الاسرائيلي.
ولعل الانتقادات القائلة بأن البعد العربي لم يكن حاضرا بشكل واف في الوثيقة، سواء من خلال تحديد مفهوم الحزب للعروبة وموقفه من قضايا تخص الأمة العربية تحديدا (مثل الوحدة العربية التي لم تأخذ الحيز المطلوب)، قد عوّضها البعد الفلسطيني، ذلك أن الحزب يواجه إحراجا مثلث الأضلاع، بين إلحاح لبناني على زيادة المنسوب اللبناني في خطاب الحزب وأدبياته، وبين إلحاح عربي وإسلامي مزدوج على الخروج من الزواريب اللبنانية الضيقة والارتقاء إلى ما شكّلته المقاومة اللبنانية من رافعة للمقاومة والممانعة على الصعيد العربي ـ الإسلامي.
وقد شكّلت الوثيقة محاولة للتوفيق بين هذه الأبعاد الثلاثة، فالحزب قدّم نفسه كمقاومة لبنانية بأبعاد عربية وإسلامية. نعم هو حزب إصلاحي لبناني يدرك الخصوصية اللبنانية ويحترمها ويقبل بها، لكنه ينطلق منها
نحو منظومة أوسع فكريا وسياسيا يبدو الإسلام بمعناه الحداثي المنفتح ركيزتها الأساس.
ورب قائل ان القاعدة الفكرية التي استندت اليها الوثيقة «تقوم على تعددية الدول ووحدة الأمة واعتبار المصالح الوطنية مسوغة ولا تتناقض مع الانتماء الأوسع والأرحب بل تتكامل معه»، ولذلك كان الحزب، على مدى وثيقته المؤلفة من اثنتين وثلاثين صفحة «فولسكاب»، يحاول صياغة موقف «بهاجس التوفيق بين الأبعاد الثلاثة، اللبنانية والعربية والاسلامية، بما ينفي أي تناقض أو تعارض مفترض بينها».
لا تلعن الوثيقة النظام اللبناني ولا ترجمه أو تكفّره، كما هي الحال مع «الرسالة المفتوحة»، ولا تخلص إلى وجوب بناء النموذج الاسلامي، أو دعوة المسيحيين لاعتناق الإسلام، بل هي تنطلق من الواقع المر للنظام الطائفي الى محاولة رسم أفق نظري للتغيير، بالدخول الى «الصيغة» والسعي للاصلاح من خلال الآليات الدستورية، وليس بطريقة انقلابية. بهذا المعنى، تأتي الدعوة لالغاء الطائفية السياسية كهدف يمكن أن يتحقق «بعد عشرات السنين اذا شكلنا اليوم الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية»… وحتى ذلك الحين (الغاء الأسس الطائفية)، «فان الديموقراطية التوافقية تبقى القاعدة الأساس للحكم في لبنان لأنها التجسيد الفعلي لروح الدستور وجوهر ميثاق العيش المشترك» (نص مأخوذ حرفيا من «وثيقة التفاهم» الموقعة بين الحزب و«التيار الوطني الحر» في السادس من شباط 2007).
وفي المضمون أيضا، أمامنا وثيقة لا يعلن فيها «حزب الله» بالنص الحرفي إيمانه بنهائية الكيان اللبناني، لكن من يقرأ أدبيات الحزب ومضمون الوثيقة جيدا، يجد أن الروحية ترد ليس على طريقة الدستور الملزم، بل من خلال تأكيد السيد نصر الله في مقدمة النص المكتوب، أن لبنان «هو وطننا ووطن الآباء والأجداد كما هو وطن الأبناء والأحفاد وكل الأجيال الآتية».
تتضمن الوثيقة «لمعات» تستوجب التوقف عندها، في الجزء الأول، عندما تقارب المشروع الأميركي وتدعو الى قيام جبهة عالمية لمواجهة الخطر الأميركي «من منظار استراتيجي عالمي»، كما في الجزء اللبناني (13 صفحة)، خاصة عندما تؤكد في السطور الأولى رفض كل أشكال التقسيم أو «الفدرلة» الصريحة أو المقنّعة، وتنتقل الى مقاربة واقعية تاريخية لفكرة وثقافة المقاومة، تخلص فيها الى القول إنّ التهديد الإسرائيلي الدائم «يفرض على لبنان تكريـس صيغة دفاعية تقوم على المزاوجة بين وجود مقاومة شعبية تساهم في الدفاع عن الوطن في وجه أي غزو إسرائيلي، وجيش وطني يحمي الوطن ويثبّت أمنه واستقراره، في عملية تكامل أثبتت المرحلة الماضية نجاحها في إدارة الصراع مع العدو وحققت انتصارات للبنان ووفرت سبل الحماية له».
هذه الفقرة تحديدا كانت نقطة تباين بين من رأوا فيها بشكل ايجابي محاولة لتثبيت ثنائية الجيش والمقاومة وبين من اعتبروها غير كافية وغير مطمئنة للطرف الآخر.
تحدد الوثيقة مفهوم الدولة التي يتطلع «حزب الله» إلى بنائها، في نص مكثف هو الأول من نوعه لهذا الحزب الذي ولد منذ 27 عاما، ويقارب في فقرة مستقلة العلاقات اللبنانية الفلسطينية وخاصة عبر الدعوة إلى منح الفلسطينيين في لبنان حقوقهم المدنية والاجتماعية. كما تقارب الوثيقة علاقات لبنان العربية والإسلامية والدولية وخاصة مع سوريا وإيران، وتدعو إلى وحدة الصف العربي وتؤكد إقليميا تبني الممارسة السياسية القائمة على حصر النزاعات أو تنظيمها والحؤول دون انفلاتها إلى مجال الصراعات المفتوحة، وكذلك عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد عربي أو إسلامي.. مع فقرة تتحدث «عن النزف المسيحي المستمر من المشرق العربي وخاصة من فلسطين والعراق فضلا عن لبنان».
وتميز الوثيقة في هذا السياق، الموقف الأوروبي، بطريقة لطيفة ولبقة، عن الموقف الأميركي عبر الدعوة إلى تغليب النزعة المتوسطية أوروبيا على حساب النزعة الأطلسية الاستعمارية، كما تعبر عن الارتياح للتجربة الاستقلالية والتحررية الرافضة للهيمنة الأميركية في أميركا اللاتينية.
بعد الوثيقة التي أعلنها السيد حسن نصر الله في الثلاثين من تشرين الثاني 2009، انبرى من يقول له أمام الحشد الإعلامي وعلى مرأى من الجمهور العريض الذي كان يتابعه).