من يعزف عن من؟!!

عزوف (الشباب) عن الزواج أم عزوف (الزواج) عن الشباب..!!
(1) نحن الشباب دوماً تلتصق بنا هذه العبارة الأثيرة:(عزوف الشباب عن الزواج!)، وفي صدد ذلك أقيمت ندوات، وورش عمل، وكُتب عنها الكثير، ولكن لا أظن أنه تم عمل استفتاء عام للشباب ليعرفوا منهم أسباب إعراضهم عن إكمال نصف دينهم!!.. ومن وضع هذا النص أخطأ في صياغته – لا شك – لأن الشباب لم يعزفوا عن الزواج بمحض إرادتهم، ومن الأفضل إعادة النظر في مصطلح (عزوف الشباب عن الزواج)، فمن ينظر إلى هذه المشكلة بعمق؛ سيجد أن الزواج هو دائماً الذي يعزف نغمة الإبتعاد عنهم بمتطلباته التي لا تتماشى والعطالة السائدة بينهم، وليس الزواج لوحده يعزف عن الشباب، بل تسانده في ذلك الوظائف التي تنحرف بوصلتها دائماً عكس اتجاه طمُوحَاتِهم.(2)إذن وبنظرة منطقية نجد أن الزواج هو ما يعزف وينأى عن الشباب وليس العكس، وتشكل معه عدم وجود الوظيفة أوركسترا تؤدي لحناً يضع كل طموحاتهم في قالب ضيق بالكاد يتسع لأسباب المعيشة، ومن أراد أن يتأكد من ذلك ما عليه إلا وأن يختار أي شاب عشوائياً، ويوفر له وظيفة ذات عائد مجزٍ تكفل له سبل العيش الكريم، ويستطيع أن يدخر منها ما يبني مستقبله، تجد أن أول ما يفكر فيه هو أن (يتزوج)، حتى وإن أخرّه لإكمال دراسة أو تمكين مستقبله أكثر، إلاّ أنه في النهاية سيصل برحلة أهدافه إلى شاطئ الزواج.!(3)  الزواج في المدن والعاصمة -خاصة- يعتبر مشروعاً يحتاج الي دراسة جدوى ورأس مال كبير، وإذا تجاوزنا مسألة مستلزمات الزواج اللحظية ستواجه الشاب مشكلة أكبر ، فهو يحتاج الي سكن يدخل تحته رأسه هو والمدام، وهذه من أكبر العقبات، لأن امتلاك منزلٍ مسجلاً بـ اسمه في المدينة يحتاج منه أن يكون وارثاً على الأقل، أما إذا أراد أن يشتري بيتاً من حرّ ماله؛ وإذا تهوّر وأراده بالعاصمة، يتطلب منه هذا أن يعمل في وظيفة كبيرة ومحترمة (تاجر طائرات مدنية) مثلاً..!! ولا أظن أن هناك وظيفة يتقلدها خريج جديد أو قديم، تؤهله أن يشتري منزلاً، اللهم إلا أن تكون وظيفته سمسار (مركبات فضائية) أو (أقمار صناعية) ..!
(4)يتبقى للشاب آخر العلاج؛ وهو أن يسكن في بيت العائلة، وأقصد عائلته هو،  وبنات حواء – وليس كلهن – قبل التورط في الزواج تسمع من الواحدة نغمات مسكينة مثل:- ( ما مشكلة أنا بسكن مع والدتك في البيت وبعتبرا زي أمي).!!أو:- (بسكن معاك انشاالله تحت ضل شجرة.. المهم نكون سوا).!!ولكنها قبل مرور الشهر الثاني من الزواج تبدأ في (الطنطنة)، مطالبة بـ (فرز عيشتها)، والشاب المسكين يكون في الغالب عائلاً أسرته، والقرار الأخير والصعب من زوجته يطالبه بـ (حلتين) بدلاً من حلة واحدة، وبـ (صاعين) بدلاً من صاع واحد !!  سيصعب الأمر عليه، لأن عملية فرز العيشة لا تقل عنتاً عن ترسيم الحدود بين دولتين متناحرتين، وقد تتمادى (بنت الحلال) وتذهب الي بيت أبيها، وتطلب منه أن يأتي ليأخذها بعد أن يصبح رجلاً و (يفرز عيشتو)، وقد (يطبزها) الأجاويد ويتبرعون بنصائح من ماركة:- (وكت أبت أهلك طلقا داير بيها شنو.. ).!!وقد يتهور ويفعلها ويخرب بيته وينقل تجربته لغيره محذراً إياه من الزواج بكل أنواعه.(5) كل ما ورد أعلاه من مسببات ابتعاد الزواج عن الشباب، علاوة على العطالة، أو الوظيفة ذات الراتب الذي لا يكفي لإعاشة بيت من النمل، ومعها ارتفاع مستلزمات الزواج، ودخول عادات جديدة أدت لاتساع الهوة بين الزواج والإمكانيات، مثل تأجير النوادي وتوثيق المناسبة بكاميرات فيديو، والكثير من المنصرفات التي تنحصر مهمتها في اليوم الأول فقط من المناسبة، وبعدها تصبح ذكرى مريرة، وكان من المفترض أن تساعد الزوجين في الكثير من المشاكل التي تواجههم بعد انقضاء أيام شهر العسل، وحتى بعد العودة منه، فـ الكثير من الأزواج يرجعون من الفندق وما في معيتهم لا يكفيهم لأسبوع آخر، أضف إلي ذلك مشكلة السكن التي يلازمها ضيق بيت أسرة الشاب في كثير من الأحايين، وغلاء الإيجارات، ثم الالتزام بـ (برنامج الغذاء المحلي) للعائلة الصغيرة، وهناك بعض الزوجات لا يحلى لهن المرض إلا بعد الزواج وتجعلك زبوناً دائماً للعيادات والصيدليات، ولابد من وضع نظرة مستقبلية للأبناء الذين يحتاجون الي التربية والتعليم والأقمصة والبناطلين والكتب والكراسات، لا أريد أن أحبط أحد، فهذا من باب إرجاع مشكلة زواج الشباب إلى عواملها الأولية ليس إلاّ.(9) فـ كل هذه الأسباب -وغيرها أكثير تجعل- المجتمع ينظر للشباب – (العاطلون بلا إرادتهم)- نظرة من يعزف عن الزواج ولا يريد تحمل المسئولية، في حين أن الحقيقة هي عكس ذلك، فـ لسان حال كل شاب عاطل يقول:- من يريد تأمين مستقبله في مثل هذه الظروف، كـ رجل أعمى، في غرفة مظلمة، يبحث عن قطة سوداء لا وجود لها.!!
أسامة جاب الدين