الوحدة الألمانية

العالم يحتفل بذكرى «الوحدة» الألمانية رافعا شعارات «التكامل» و«الاندماج».. وإسرائيل تطالب الفلسطينيين بـ«التعايش».. وتمضى أحاديا فى بناء «ستارها الحديدى» جانب من الجدار العازل الذى تبينة إسرائيل برلين وبلعين، مدينة ألمانية، وقرية فلسطينية، لا تتشابهان فى طريقة نطقهما الإنجليزية فحسب، بل قـُدر لهما تذوق معاناة الفصل والتمييز جراء الجدر العازلة التى قسمتهما، غير أن إحداهما تحتفى اليوم بمرور ٢٠ عاما على التخلص من سورها «البغيض»، بينما لا تزال الثانية مقطعة الأوصال، نتيجة جدار تصر إسرائيل على بنائه بذريعة معلنة أقنعت بها المجتمع الدولى، هى منع «الإرهابيين» الفلسطينيين من التسلل إلى أراضيها، فى حين أن ما يجرى على أرض الواقع هو إعادة ترسيم لحدود تلك المنطقة الملتهبة، بدخول الجدار بعمق ٢٢ كم فى أراضى ٦٧ بالضفة الغربية، ملتهما مزيدا من القرى العربية لحساب التجمعات الاستيطانية الثلاثة الكبرى، لاسيما فى محيط القدس وضواحيها، فضلا عما يتسبب فيه ذلك من تمزيق للعائلات.تلك المعاناة عبر عنها الفنان المسرحى البلجيكى فرانك فروكرويس، ملخصا ما يجول فى خاطر كثير من المهمومين بالقضية الفلسطينية من المقيمين العرب فى ألمانيا، بقوله «كيف يمكننا الاحتفال بذكرى سقوط جدار برلين، وهناك جدار آخر ؟!»طرح فروكرويس تساؤله فى مهرجان «العالم المحكى» فى بروكسل، الذى أقيم فى إطار احتفالات ذكرى مرور ٢٠ عاما على سقوط جدار برلين، وما سبقه من «ستار حديدى» كان يفصل الحدود النمساوية المجرية، الذى اختار الفنان البلجيكى المشاركة فيه بعمل فنى مركب يصور «جدار الفصل العنصرى» فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، الأمر الذى أثار جدلا واستياء ألمانيا وأوروبيا واسعا.ولأن انتقاد إسرائيل يحمل حساسية خاصة فى ألمانيا، خوفا من «عقدة الذنب» التاريخية، التى وصمهم بها اللوبى الصهيونى – ولا يزال – فإن مجرد المقاربة بين الجدارين يعد أمرا مشينا هنا، ينظر إليه الكثيرون باعتباره مبالغة، ويذهب بعضهم إلى أنه لا توجد ثمة مقارنة بين الجدارين، نظرا لاختلاف ظروف ودوافع إقامة كل منهما، لدرجة أن منسق الشرق الأوسط فى وزارة الخارجية الألمانية، أندرواس ميخائيليس، والمعنى بالملف الفلسطينى رفض التعليق تماما على الأمر.ولكن فى وقت يحتفى فيه العالم بأكمله مع ألمانيا بفكرة «التوحيد»، وما تحمله من مفاهيم «التكامل» و«الاندماج» و«التعايش»، خاصة على النطاق الأوروبى الأوسع، تفرض وجهة النظر الفلسطينية إزاء الجدار نفسها على واجهة الأحداث، إذ ينظر له سكان القرى العربية التى يمر بها الجدار، باعتباره حاجزا عنصريا يعكس سياسة التمييز التى تنتهجها إسرائيل حتى مع مواطنيها حاملى الجنسية الإسرائيلية من فلسطينيى ٤٨ داخل الخط الأخضر، فى وقت تطالب فيه إسرائيل أمام المجتمع الدولى الفلسطينيين والعالم العربى بالتعايش السلمى والاعتراف الرسمى والتكامل الضمنى مع دول المنطقة.وتقول إيناس مريح، فلسطينية من حيفا وتحمل الجنسية الإسرائيلية، إن ما يحدث لفلسطينيى الضفة جراء الجدار يؤثر مباشرة على تعايش عرب ٤٨ مع المجتمع الإسرائيلى، وتؤكد أن «التعايش أكذوبة.. أى محاولة للاندماج تقتلها الانتهاكات الإسرائيلية، فكيف يتعايش فلسطينيو الجليل مثلا مع الإسرائيليين وأقاربهم من قريتى بلعين ونعلين يعانون الأمرين جراء الجدار العازل»،وتضيف أن الفلسطينيين جسد واحد مهما قطعهم الجدار، بعكس الإسرائيليين والفلسطينيين الذين يعيشون داخل حدود واحدة فى الخط الأخضر، دون أن يكون هناك بينهم أى تعايش فعلى، وتوضح أنه بالرغم من قائمة الإسرائيليين الطويلة المدرجة على صفحة الموقع الإلكترونى «فيس بوك» الخاصة بها، فإن أياً منهم لا يعد صديقها بل كلهم «مجرد معارف».فيليبا دوميترى، صحفية ألمانية، رأت أنه عندما تتحدث الحكومة الإسرائيلية عن ضرورة التعايش السلمى بين الفلسطينيين والإسرائيليين عليها أن تقدم آليات تحقيق هذا التعايش، «لو كانت مقتنعة به فى الأساس»، واعتبرت أن الاستمرار فى بناء جدار الضفة ينسف تلك الفرضية، التى تدعو إليها إسرائيل.أما أخيم زيجيلو، صحفى ألمانى، فقد رأى أن «الفرق الحقيقى بين الجدارين هو أن الأول أقامته حكومة ألمانيا الشرقية، لكنها فى الوقت نفسه وفرت المستشفيات والمدارس.. فى حين أن الثانى تبنيه إسرائيل دون أن تراعى احتياجات المواطن والمزارع الفلسطينى، اللذين حرمهما الجدار من الوصول إلى مدارسهم ومستشفياتهم وحقولهم». كان الجدار الذى بناه آرئيل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق، بمباركة أمريكية، معتبرا إياه «أمنيا»، فى حين سماه الفلسطينيون «عازلا عنصريا»، قد لاقى انتقادات دولية وعربية لما يفرضه من أمر واقع، وفى حين اقتصرت الإدانة لسور برلين على انتقادات الأنظمة الغربية فى القرن الماضى، أصدرت محكمة العدل الدولية فى لاهاى يوم ٩ يوليو ٢٠٠٤ حكما «استشاريا» يقضى بـ «عدم شرعية الجدار».وبينما لم يتعد ارتفاع سور برلين ٢ متر و٨٠ سنتيمتراً، يصل ارتفاع جدار شارون الأسمنتى إلى ٩ أمتار، مزودا بأسلاك شائكة كثيفة بمحاذاة ألواحه الطولية، وشبكة إنذار مبكر إلكترونية متصلة بقيادة الجيش الإسرائيلى.