صراع التعليم

أطفالنا فى الغربة وصراع اللغاتفقد تواجة أبنائنا صعوبات عديدة في التعليم ؟السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قد قرأت الاستشارة الخاصة بتعليم الأطفال لأكثر من لغة، والتي سأل فيها الأخ من الصين عن سلبيات وإيجابيات ذلك، وكشخص يعيش في دول غير عربية – مثل الأخ السائل – أود أن أسرد تجربتي والتي قد تحوي على بعض النصائح المفيدة. أولاً: اجعل هذا الموضوع "تعلم اللغة العربية" على رأس قائمة الأولويات، وأعطِ الموضوع جزءاً كبيرًا من وقتك الثمين تقضيه في تدريس اللغة لابنك إن أمكن لأطفال آخرين معه. ثانيًا: اجعل ابنك يحس دائمًا ودومًا بالفخر أنه قد منّ الله عليه بأكثر من لغة، مما يميزه عن الآخرين، قل له مثلاً: انظر إلى معلمك هو يعلم لغة واحدة، بينما أنت قد منّ الله عليك بلغتين أو ثلاث. ثالثًا: لا تتكلم معه بأي لغة سوى العربية، وهذا هام حتى تصير العربية هي لغة التفكير، حاول أن تبدأ بزوجتك، بالطبع تعلّم القراءة والكتابة من الأمور التي تحتاج إلى وقت. رابعًا: لا تظن أن ابنك سوف تتداخل اللغات في ذهنه الصغير، فهذا لا يحدث.. الأطفال عندهم القدرة على التعامل بأكثر من لغة دون مشاكل، يقول كثير من المعلمين: إن الأطفال الذين يتعرضون لأكثر من لغة يقومون بتنشيط خلاياِ في المخ عادةً تكون خاملة لدى الأطفال المتعرضين للغة واحدة. خامسًا: احرص على تحفيظه قصار سور القرآن، فذلك من شأنه تدريبه ِعلى حسن إخراج الحروف "الصعبة" للغة العربية. سادسًا: شجعه على التعبير عن نفسه باللغة العربية، سيكون ذلك صعبًا ولكن لا بد من تهيئة الفرصة الكافية لمحاولة استخدام اللغة في التعبير عن الذات. سابعًا: لا تسخر منه أبدًا في حالة نطقه لبعض الحروف بطريقة مضحكة، ما عليك هو تصحيح الخطأ بصورة تلقائية. شاركه دومًا مشاكله الخاصة بالعملية التعليمية؛ فليس هناك من هو أجدر منك بالقيام بهذه المهمة. في النهاية لا أدعي أن ما سبق سيكون سهلاً وخاليًا من الصعاب، ولكن فلتتذكر أن هناك إخوة كثيرين نجحوا في الخطوات سالفة الذكر، وبصفة خاصة هؤلاء الإخوة القاطنين في القارة الهندية من أمثال الأسر الباكستانية التي حافظت على لغتها الأم بعيدًا عن أرض الوطن، وفي النهاية أذكِّر الِجميع بقوله تعالى: "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمابني في الغربة.. صراع عادات وتأخر كلامالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. في البداية أود أن أتقدم بجزيل الشكر للقائمين على الموقع عامة، وعلى هذه الصفحة الهامة خاصة، فجزاكم الله كل خير.مشكلتي التي سأعرضها عليكم مع ابني الكبير الذي بلغ من العمر الآن خمس سنوات وعشرة أشهر.في الحقيقة هناك عدة نقاط سأحكيها مرتبة حسب تسلسلها الزمني:بعد أن بلغ ابني شهره العاشر فطمته عن الرضاعة الطبيعية واستبدلتها بالرضاعة الصناعية؛ لأنني ذهبت إلى الحج مع زوجي بعد شهر من ذلك الوقت وتركته عند أختي التي لا أشك في أنها اهتمت به كأنه أحد أبنائها (لا أدري لم أشعر دائما أن هذا الموضوع أحد أسباب المشكلة التي أظن أن ابني يعاني منها)، ثم حملت بعدها مباشرة وأنجبت ابنتي الثانية، وعندها بدأ ابني بقضم أظافره وبخاصة بعد أن أوقفت له الرضاعة "بالبيبرون"، علما أننا لم ننقص شيئا من اهتمامنا به، بل كان كل تركيزنا عليه.وجل وقتنا معه نلعب معه، ونقرأ له القصص، ونذهب به باستمرار للعب في الحدائق، والذي كان يقلقني في تلك الفترة أنه لم يكن يختلط مع الآخرين، بل يكتفي بالنظر إليهم ومراقبتهم، وإذا ما ذهبنا لمكان فيه أشخاص كثيرون يبدأ بالبكاء لمجرد أن أغيب عنه لحظة واحدة.لم يبدأ ابني بالكلام إلا مع اقتراب السنة الثالثة.. كنت قد بدأت معه بحفظ القرآن وكان يجد صعوبة في نطق بعض الحروف وبعض الكلمات إلا أنه تجاوز هذه المشكلة بتدريبي المستمر له.بعد أن صار يتكلم جيدا سافرت إلى بلدي برفقته وأخته وكانت أول مرة نسافر فيها دون مرافقة زوجي لنا، وهي أول مرة يغيب فيها أحمد عن والده. وفي تلك الفترة ظهرت عنده التأتاة في الكلام فصار يعيد الحرف الأول أو الكلمة الأولى عدة مرات، ولكن المشكلة زالت فيما بعد لأنني اتصلت بزوجي مباشرة وأخبرته بالمشكلة فسارع بالحضور؛ لأننا كنا نعتقد أن غيابه سبب المشكلة، ثم إننا بعدها لم نكن نعير هذا الموضوع اهتماما كبيرا أمام ابننا، بل ركزنا على أشياء أخرى كان يتمتع بها، هو الآن يتحدث جيدا ولكنه يفتقر إلى الطلاقة فيأخذ وقتا ليعبر عما يريد على خلاف أخته التي تبلغ الرابعة فهي تتحدث بطلاقة كبيرة جدا، علما أن أسلوبنا في تربيتهم وتعليمهم واحد.ثم بلغ أحمد الرابعة ودخل روضة الأطفال وواجهتنا مشكلة جديدة وهي عدم تأقلمه مع المدرسة؛ إذ إن الجميع يتحدث بلغة مختلفة لا يعرفها.وبقي مدة أسبوعين يرفض دخول المدرسة إلا إذا كنت معه، فكنت أرافقه حتى إذا ما انشغل عني تركته وذهبت.. بقي في المدرسة سنة كاملة لم يتحدث خلالها كلمة واحدة باللغة الفرنسية، علما أنه تقدم كثيرا باللغة العربية، وأنهى وهو في الرابعة والنصف حفظ جزء عم، والآن هو في السنة الثانية في الروضة.تقبله للمدرسة كان أحسن بكثير من السنة الماضية، إلا أن لغته الفرنسية ما زالت ضعيفة جدا، بدأ يفهم بعض الكلام ويتكلم قليلا، إلا أنه متأخر عن زملائه، حسب رواية المدرسة، وهذا في الكلام فقط؛ لأنه يقوم بالواجبات التي يكلف بها ويفهم كل ما يعرض عليه.ولا أدري هل تأخره في التكلم بالفرنسية هو كتأخره عندما تكلم العربية؟علما أنه يتمتع بذكاء شديد.. نلاحظ أنه يستخدم الكمبيوتر ويفهم رموزه بطريقة مذهلة.. في هذا العام بدأت معه برنامجا لتعلم العربية، وخلال شهر واحد صار يجيد القراءة والكتابة، والآن بدأ يقرأ ويكتب بالفرنسية وحده، مع أنه ليس في برنامج المدرسة تعليم القراءة والكتابة هذا العام.يعني المشكلة في الكلام فقط، وهو لا يتردد أبدًا في أن يقول أنا لا أستطيع الكلام.. أنا لا أعرف أن أتكلم الفرنسية، ولكن إذا ما سألته سؤالا بالفرنسية فإنه يجيب بها ولو بتلكؤ.. ابني كما أراه شديد الذكاء.. شديد الحساسية.. يحب إخوته كثيرا، وهو مرتبط بأمه وأبيه.. لا يملك قدرا كافيا من الثقة بالنفس.. يقلد الآخرين كثيرا وهذا يثيرني ويزعجني.النقطة الأخيرة.. معروف أن ثقافتنا مختلفة عن الثقافة الأوروبية، والاختلاف بيننا وبينهم واضح في الأخلاق والتربية، وهذا ما نعاني منه في هذا البلد، والمشكلة عند ابني أنه بدأ الآن بحضور دروس إجبارية لتعلم السباحة، وهذا ضمن برنامج المدرسة.وفي هذا المسبح ما يتناقض مع سلوكنا وتربيتنا من اختلاط وعراء بين الأطفال، فتراهم ينزعون ثيابهم أمام بعضهم دون حياء، بل هذا ما يحث عليه الأهالي والمدرسون بحجة أنهم يريدون أن ينمو أولادهم بدون عقد والعياذ بالله.. إلى الآن لم يذهب ابني إلا مرة واحدة وقد علمته قبلها كيف يمكنه تبديل ملابسه دون أن يراه أحد وكيف يغض بصره عمن يتعرون أمامه.فعاد وأخبرني بكل ما دار هناك، إلا أن الصاعقة أنه في مساء ذلك اليوم أنزل بنطاله أمام أخته وأراها عورته، وهذا ما لم يحصل مطلقا قبل ذلك، تكلمت معه بهدوء إلا أن والده لهول الموقف عليه عاقبه عقوبة شديدة وضربه.هذه هي الأمور التي أعاني منها مع ابني، فأرجو منكم أن تساعدوني في تجاوزها، وأن تدلوني على الطريقة المثلى في التعامل معه، علما أنني لا أجد أي مشكلة في سلوك ابنتي التي تصغره بسنتين.عذرا على الإطالة، ولكم كل الشكر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.الأخت الفاضلة.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. هناك حدثان مهمان في حياة أحمد:أولهما: تركك له بعد الفطام وذهابك للحج، حيث أقام عند أختك، ولو وضعنا أنفسنا مكانه لنتخيل أحاسيسه فسنجد أن بابا وماما (الشخصيتان المألوفتان والمحبوبتان لديه) قد اختفيا فجأة، وهو لا يفهم سبب اختفائهما، ومهما قدمت أختك من رعاية فلن تملأ هذا الفراغ الذي شعر به، والطفل في هذه السن يختزن الخبرات على المستوى الوجداني؛ لأن الجانب المعرفي لم ينم عنده بعد.أما الحدث الثاني فهو ولادة أخته والتي أخذت بالقطع جزءا من الاهتمام منك ومن أبيه، على الرغم من محاولاتك للاحتفاظ بدرجة الاهتمام به بعد ولادتها، إلا أن الطفل الأول قد تعود أن الأب والأم ملكه وحده، فإذا جاء أحد بعده وأخذ جزءا ولو يسيرا من الاهتمام فإنه يشعر أن هذا الاهتمام مخصوم من حقه، ولهذا نجد الغيرة تكون شديدة عند الطفل الأول.وأحمد لا يعبر عن قلقه أو غيرته بشكل صريح، وإنما يكتم ذلك في نفسه، ولكن قلق الانفصال الذي عاناه وقت سفرك، ثم الغيرة التي عاناها بعد ولادة أخته عبر عنهما بقضم أظافره، فهو سلوك يحاول من خلاله خفض درجة توتره.وهناك أطفال يولدون ولديهم حساسية نفسية زائدة، ويبدو أن أحمد من هذا النوع، فهو يكون أكثر قلقا، وبالتالي أكثر انسحابا وتفاديا للمواقف الاجتماعية أو لقاء الغرباء، ويجد مشاكل في التأقلم مع المواقف الجديدة والخبرات الجديدة كالذهاب للمدرسة، أو تعلم لغة جديدة، أو الاندماج مع أطفال غرباء.يضاف إلى ذلك أن مركز اللغة بطيء النمو عنده؛ لذلك تأخر نطقه، وتأخر اكتسابه للغتين العربية والفرنسية بعض الوقت، واحتاج منك جهدا إضافيا حتى تحسن فيهما.وهذا لا يعني أن أحمد أقل ذكاء، ولكن يعني أنه أكثر قلقا وبالتالي أقل ثقة بنفسه، وأن مراكز اللغة تحتاج لوقت كي تنضج أكثر.وقد كان كل من أديسون ونيوتن وأينشتاين لا يجيدون التعبير عن أنفسهم بالكلام، وظن مدرسوهم أن لديهم مشكلة في الذكاء، وتركوا المدرسة لبعض الوقت بسبب مشكلات اللغة والتعبير، ولكن ثبتت بعد ذلك عبقرية كل منهم، فهناك حوالي 11 نوعا من الذكاءات، والذكاء اللغوي اللفظي هو أحد هذه الذكاءات.إذن لا تتوقفي عند قصور أحمد في اكتساب اللغة، بل ابحثي عن مناطق تميزه، فكما قلت إنه يفهم الرموز في الكومبيوتر بشكل متميز، فربما يكون هذا هو مجال تميزه فشجعيه وأثني عليه، ثم استمري في بذل الجهد لتحسين مهاراته اللغوية –كما فعلت وتفعلين الآن- ولكن دون ضغط عليه، ودون إشعاره بأنه ضعيف، ودون حصر تقييمه في الجانب اللغوي دون بقية الجوانب والذكاءات.لا تقارنيه أبدًا بأخته؛ فلكل منهما مناطق قوته وضعفه، وكل ميسر لما خلق له، وعمومًا فاكتساب اللغة عند البنات يكون أسرع من الأولاد.لا تقلقي كثيرًا على أحمد، ولا تنتقديه لو أخطأ في شيء، بل الأفضل استخدام أسلوب التشجيع والمدح لما يقوم به حتى يستعيد ثقته بنفسه، وعوديه أن يذهب بعيدًا عنك في بعض الأوقات، كأن يذهب مع أبيه للصلاة، أو للنزهة، فيتعود بذلك على وجودك وعلى عدم وجودك، فتقل حساسيته بالتدريج لمسألة الانفصال عنك، وشجعيه على الاندماج في نشاطات المدرسة.ولا تضعيه في وضع يشعر فيه بالحرج الشديد إزاء اختلاف العادات والتقاليد بين المنزل والمدرسة، ولكن اشرحي له بهدوء ما يجب وما لا يجب، وكوني هادئة في ذلك حتى لا يصاب بحيرة بين ثقافة البيت وثقافة المجتمع.وكنت أتمنى لو لم يعاقبه والده بهذا الشكل؛ فهو لا يعرف بعد حدود الصواب والخطأ، بل هو في حيرة بين ما يمارسه في المدرسة وما تتطلبه أخلاقيات البيت، وهذا يحتاج لصبر ورفق ودرجة من السماح لكي يجتاز هذه الفجوة القيمية والأخلاقية دون ترسبات نفسية تؤذيه بعد ذلك.وهنا يستحسن أن يندمج ولو لبعض الوقت مع أطفال من نفس جنسيته وثقافته ليرى بنفسه أن هناك من يشاركه القيم والضوابط التي تطلبينها منه، وهنا يشعر بالألفة بين أقران متشابهين، ويستوعب مسألة الخلاف بين الثقافات دون الشعور بالغربة أو الاغتراب، وربما يتحقق هذا بالذهاب لبعض المراكز أو التجمعات الإسلامية، أو زيارة بعض الأقارب والأصدقاء الذين ينتمون لنفس الدين والثقافة.يحتاج أحمد بحساسيته المرهفة وقابليته للتوتر أن يجد بيتا هادئا مطمئنا، وأما متقبلة ومتسامحة، وأبا صديقا متفهما، وسيكون هذا كافيا بإذن الله.