التربية الناجحة

ام احمد   – اليمن لديّ 3 أطفال أكبرهم في السادسة من العمر. نحاول أنا ووالدهم أن نربيهم التربية الإسلامية، لكن المجتمع المحيط بنا -خاصة العمات والخالات- يقمن ببعض السلوكيات التي أعتبرها أنا ووالدهم مخالفة للشرع، ومنها على سبيل المثال سماع الأغاني.المشكلة أن أطفالي يرون أن هذا السلوك ممنوع في بيوتهم، لكنه مسموح به في بيوت الآخرين. وحين يسألوننا نقول لهم بأن هذا السلوك مرفوض؛ لأن الله حرمه وحين يسألون عماتهم أو خالاتهم يقلن لهم بأن هذا السلوك عادي ولا غبار عليه. فيحدث لديهم استغراب، وكيلا تتزعزع مفاهيمهم أصر أنا ووالدهم بأن الكبار يخطئون أحيانًا، وأن سلوك عمته أو خالته خطأ.سؤالي هو: هل تصرفنا سليم؟ أنا لا أريد أن أهز صورة أقربائنا في نفوس أطفالي، لكني أيضًا لا أريد أن يتخذهم أطفالي قدوة. أرشدوني إلى الطريق السليم، علمًا بأن محاولة إقناع الكبار بألا يغيروا مفاهيم الأطفال لا تُجدي نفعًا، فهل من حل؟ وجزاكم الله خيرًا. التربية الناجحة:لقد اخترت هذا العنوان للرد على رسالتك لأن هذا كان شعوري وأنا أقرأ رسالتك؛ فقد أحسست بأني دخلت حقل ألغام لا بد أن أكون في غاية الحذر وأنا أتحرك بداخله، فأنت تريدين أن تربي أطفالك "تربية إسلامية" والآخرون يقومون بسلوكيات "مخالفة للشرع"، والمثال الشهير هو سماع الأغاني.. فبينما تبدأ الرسالة بكلام كبير على مستوى "التربية الإسلامية" تنتهي المسألة بأن التربية الإسلامية المقصودة هي عدم سماع الأغاني وما شابه ذلك من سلسلة الممنوعات التي تحاصر الأطفال وتثير لديهم التساؤلات أكثر مما تقدم إجابات؛ لينتهي الأمر بحالة من التناقض والحيرة يقع فيها هؤلاء الأطفال بين ما يتلقونه من أوامر من آبائهم وما يعيشونه في المجتمع وما يحتكون به.ولنبدأ بمفهوم التربية الإسلامية فنخرجه من ضيق الأشكال والطقوس والنواهي إلى سعة الرؤى الحاكمة للتربية ومسارات هذه التربية، ومقاصدها وربطها بغاية خلق الله للإنسان، وبسياسات الاعتدال والوسطية والرحمة بحيث يبدو أن كل مفهوم تربوي إنساني يخرج طفلاً سويًّا هو مفهوم إسلامي، ولكن في إطار غاية هذه التربية وسياساتها الحاكمة المستمدة من الشرع الإسلامي، وبالتالي فكل ما يقدم على هذه الصفحة هو تربية إسلامية، حتى ونحن نتعلم كيف نوجه أطفالنا وكيف نحبهم، وكيف يكونون واثقين من أنفسهم، وكيف ينكرون، وكيف نتعامل مع دوافعهم وانفعالاتهم، وكيف نخرج منهم أعظم ما بداخلهم من إبداع وابتكار، وكيف نطلق طاقاتهم.. كل هذا تربية إسلامية، وبالتالي فلا يصلح أن نجتزئ قضية فرعية ونحولها إلى قضية كبرى باسم التربية الإسلامية.إننا ونحن نتحدث عن المثال الذي ذكرتموه في رسالتكم -وهو "الأغاني"- لا نتحدث هنا عن حرام وعن سلوكيات نهى عنها الشرع سيشجعها الأقارب ونحن نرفضها؛ ولكن نتحدث ببساطة في مفهوم التربية عن قضية "توجيه" كانت الأغاني هي موضعه في هذه الحالة، فيكون السؤال المطروح هو: كيف نوجّه أطفالنا في التعامل مع الأغاني؟ وعندها سيكون للطريقة التي نختارها دور في حلٍّ -بكل ما نتصوره من عقبات- في مواجهة هذا التوجيه، فنحن نتوقع أن يكون موقفنا من الأغاني مختلفا عن المجتمع؛ ولذا فلا بد من بذل مجهود للتفكير في الأمر بحيث يأخذ عمقًا وبعدًا لدى أطفالنا يؤهلهم للتعامل مع المسألة دون الوقوع في التناقض أو التساؤل عن: لماذا يفعل الآخرون ولا نفعل؟ أو أيهما الأصح؟ لأن استخدام الطريق الأسهل بالمنع الحاسم القاطع دون بذل جهد في تعميق المسألة سيجعل الأطفال يلجئون للغير للحصول على الإجابات التي لم نقدمها لهم.. وهناك سيحصلون على إجابة معبرة.لم أختر مثال الأغاني لأهميته، ولكن لأنه المثال المطروح في السؤال، ولأنه نموذج لهذا المفهوم المبتسر للتربية الإسلامية التي يتخيل أصحابها أنهم بمنعهم لأطفالهم من سماع الأغاني وسماعهم للأناشيد الإسلامية وإرسالهم للمسجد لحفظ القرآن الكريم فإنهم يربونهم تربية إسلامية؛ لذا فإنني أعود وأكرر أن هذه الأمور لا بد أن تأخذ مسارها الطبيعي في منظومة التربية بصورة عامة، ولا تعطى أكبر من حجمها بحيث تغفل المضامين الأصلية في التعامل التربوي مع أطفالنا؛ لأننا قد ربيناهم تربية إسلامية بمفهومنا القاصر، ثم تظهر المشاكل بعد ذلك فتعلوا التساؤلات لماذا يتصرف أولادنا هكذا، ونحن قد حفظناهم القرآن وعلمناهم الأناشيد الإسلامية؟!ما نقصده ببساطة أن النهي عن سماع الأغاني ليس هو التربية الإسلامية، ولكن الأغاني هي موضوع لعملية تربوية هي التوجيه.. هذا الموضوع يحتاج منا لمعرفة طريقته وبذل المجهود من أجل أن يكون ناجحًا ومؤثرًا ويحقق أهدافه. واستكمالاً لمثال الأغاني، فإن القدوة والطريقة غير المباشرة تعد أنجح الطرق، بمعنى أن أولادنا يروننا عندما تأتي أغنية مخالفة للقيم لاحتوائها على رقص خليع أو مشاهد غير لائقة أو لكلمات مبتذلة؛ يجدوننا ونحن نغير القناة ونعبر عن سبب هذا التغيير، فتتحدث الأم للأب قائلة: ما هذا الإسفاف وتلك الرداءة التي يقدمونها؟! هل الفن الجميل أن ترقص الفتيات بهذا الشكل المبتذل أو تحتوي الأغنية على هذه المشاهد المخلة؟! فيرد الأب بأنها أغنية سيئة ولا يصح رؤيتها أو سماعها.. أين الفن الجميل والأغاني التي تحتوي معان سامية راقية؟!إن أقل موقف نتخذه هو أن نغيّر القناة ولا نسمع هذه الأغاني ولا نكتفي بذلك، بل نرسل طلبًا بوقف هذه الأغاني الهابطة.. الأم تسارع بتغيير هذه القناة.. الأب يبارك هذه الخطوة.. الحوار يدور أمام الأبناء بهدوء لا يوجه لهم بصورة مباشرة.. إنه يرد على استفساراتهم وهم ليسوا طرفًا في القضية.. في المرة القادمة الأب يمر على القنوات.. تأتي قناة بها أغنية.. يتوقف الأب قليلاً يصرخ فيه الأطفال: ما هذا الذي تقف عنده يا أبي.. إنه شيء لا يصح أن نتفرج عليه.. إنه شيء سيئ!.. يقلب الأب القناة، ويقول لهم: هذا شيء صحيح، جميل أن يكون لديكم رفض للأشياء السيئة.وفي وقت آخر ينادي عليهم لأن هناك أغنية جميلة تذاع.. إن معانيها جميلة ولا يوجد بها منظر يؤذي العين.. إن بها مناظر طبيعية.. إنها تدعو لقيم جميلة.. أترون كيف يقول هذا المطرب كلامًا جميلاً، وهذه أغانيه ليس بها رقص ولا ابتذال.. هذا شيء يريح الأعصاب.. إنه مثل الأناشيد الجميلة التي نسمعها وتدعونا إلى الخير… فيذهب الأطفال إلى العم أو الخال أو حتى الجد.. يرون الأغاني.. فيطلبون من الجد تغيير القناة لأن الأغاني بها مشاهد غير جيدة.. حينئذ لا يجد الجد أمامه إلا الاستجابة؛ لأنهم أصحاب موقف وليسوا أصحاب تساؤل لنهي لا يفهمون ما وراءه.إنه التوجيه السليم بالطريقة الصحيحة ليؤدي إلى النتيجة المرجوة، والملاحظ هو استخدام الموقف العملي والقدوة والتوجيه غير المباشر واللغة التي يفهمها الأطفال وتقديم البديل، وتوضيح سبب الأمر أو النهي بحيث تكون القيم الأخطر التي يتعلمها الطفل الحوار والتفاهم والإيجابية والاعتدال في الأمور والوسطية في التعامل مع القضايا بحيث لا تبدو حياته في النهاية مجموعة من النواهي التي لا تنتهي والتي تجعله غريبًا عن الآخرين غير قادر على التواصل معهم، بينما هو لا يدري لذلك سببًا إلا أن أهله يقولون له نحن نربيك تربية إسلامية.. الآخرون مخطئون أما نحن فلا نخطئ… وتكون النتيجة إما وقوعه في الحيرة والاضطراب لعدم فهمه لما يحدث أو سعيه وراء هذا الممنوع المجهول من أجل اكتشافه والتعرف لمجرد إشباع الفضول وكسر هذا الحاجز والستار الحديدي الذي حوله، أو الانتظار لسن يستطيع فيها التمرد على كل هذا الكم من الأوامر والنواهي لينطلق ويكسر كل القيود ويتخطى كل الحدود.. ما هو صحيح منها وما هو خطأ.. رافضًا الحوار أو التفاهم عندها.وساعتها يقول: لقد حرمت حقي في الحوار والتفاهم عندما كنت أحتاجه.. إنني أرفض صورة السيطرة التي يمثلها والدي بكل ما فيها من صحيح وخطأ، لقد عزلوني عن العالم.. إنني عندما احتككت بالناس، بزملائي الآخرين، وجدت أنني مختلف عنهم تمامًا.. إنهم يعرفون أكثر مني.. إنهم يفعلون ويستطيعون ما لا أستطيع فعله.. اتركوني أكتشف العالم بنفسي.. لقد أغلقتم عيني عن كل ما حولي.. إني لا أستطيع التعامل مع الناس…أو قد يفعل العكس منغلقا على نفسه منطويًا شاعرًا بالعجز.. غير قادر على التواصل مع مجتمعه أو التفاعل مع من حوله، وفي الحالين تتكون الأجسام المضادة للتدين داخل نفوس هؤلاء فيصبحوا غير قادرين على التعامل مع الأمر بحيادية، فلديهم موقف نفسي مسبق رافض لكل ما يقال لهم في هذا الإطار.إن ما جعلني أسهب في الشرح وفي الإجابة هو كم الحالات التي رأيتها من أبناء الملتزمين الذين عانوا الأمرّين من هذه الطريقة في التوجيه، حيث ينحي الآباء كل معاني التربية ووسائلها جانبًا، ويكون همهم الأول هو محاصرة أبنائهم بكمّ من التوجيهات والأوامر والنواهي في قضايا فرعية خلافية أو في أمور شكلية؛ لأنهم يتصورون أنهم بهذه الصورة يربون أولادهم تربية إسلامية لو حصلوا هم عليها من آبائهم لكانوا شخصيات أخرى، وما وقعوا في الخطأ! وهم لا يدركون أن التربية الطبيعة السوية التي قام آباؤهم بها معهم كانت سببا في أنهم أصبحوا قادرين على الاختيار؛ لأن عقولهم نمت وأصبحت قادرة على الفهم والإدراك والنقد، وأصبحت نفوسهم حرة فاختارت طريق الخير.إنهم يرفضون أن يعطوا أبناءهم حق الاختيار الذي حصلوا عليه، وبالتالي اعتزوا بالتزامهم وبطريق الخير الذي اختاروه، وتصوروا أنهم لو فرضوا الالتزام على أولادهم منذ الصغر لأصبحوا أحسن حالاً منهم، وهم لا يدركون أنهم يحرمونهم من حق الاختيار الذي أعطاه الله لهم؛ لأنها الأمانة التي حملها الإنسان وأبت الأرض والجبال والسماء أن يحملنها.. إنها حق الاختيار.تحاوروا وتفاهموا مع أولادكم، وأعطوهم حق الاختيار، والتزموا مبادئ الاعتدال والوسطية، وتحروا كل وسائل التربية، واعتمدوا القدوة كأحد أهم وسائلها ستجدون في أولادكم خيرًا مما تتوقعون بمشيئة الله تعالى؛ لأنك "لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء".