تعاليم الدين والغربة

baba hmed   – المغربنقيم بهولندا وبلدنا الأصلي المغرب، وسؤالي حول ابني الوحيد ذي السنوات الأربع، حيث أودُّ إرساله إلى المغرب لتعليمه اللغة العربية، والعلوم الشرعية، والأخلاق، والتاريخ الإسلامي، وسيقيم – إذا تم ذلك – مع جدَّيه حتى يبلغ الثامنة عشرة من عمره، وذلك على أن يقيم معنا 4 أشهر سنويًّا خلال هذه المرحلة.فما هي مزايا وعيوب هذا الأمر من وجهة نظر إسلامية؟ وما هي النتائج المترتبة على إثر ذلك فيما يتعلق بنمو وتطوير شخصية الطفل؟ وعليك سلام الله ورحمته وبركاته، الأخ الكريم لقد اطلعت على رسالتك، وسعدت بها، وجزاك الله خيرًا على ثقتك بنا التي ندعو الله تعالى أن نكون أهلاً لها، كما أشكرك على رغبتك النبيلة في تعليم ابنك العلوم الشرعية والأخلاقية، ولكن عليك أن تسأل نفسك أولاً سؤالاً واضحًا: لماذا تريد أن يتعلم ابنك هذه العلوم، هل لمجرد أن يلقَّن بعض الآيات والأحاديث ويحفظها عن ظهر قلب؟ فإذا كان هذا هدفك فاسمح لي أن أقول لك كفانا مثل هذه النوعيات التي تحمل العلم ولا تعي منه شيئًا، ولا تطبِّق منه إلا قدرًا يسيرًا أغلبه شكلي سطحي لا يحمل من الإسلام إلا اسمه، ولك فيما يحدث على الصعيد العالمي عبرة وعظة، أما إذا – كنت سيدي – تبغي من وراء تعليم ابنك العلوم الشرعية أن يكون مسلمًا ذا خلق رفيع ينتفع بما يعلم، وينفع به أمة المسلمين، فلن يكون ذلك بتركه ليتعلم في بلد آخر غير البلد التى تقيم فيها أنت وزوجك، حتى لو كانت إقامته مع جدته التى سترعاه بلا شك، وحتى لو كانت الغاية نبيلة وسامية مثل تعليمه لغته ودينه، ولكي أكون أكثر تحديدًا سأوضح لك – نزولاً على طلبك – المزايا والمساوئ التى ستلحق بكما وبابنك إذا قررت إقصائه عنكما؛ ليتعلم في بلد آخر في النقاط التالية:-أما المزايا: صدقني – سيدي – لم أجد فيما تنوي فِعْلَه أية مزية سوى أن ابنك سيصبح حاملاً لبعض العلوم الشرعية التي سيتشدق بها هنا وهناك.-أما المساوئ أو الأضرار فهي: -طفلك في سن صغيرة فهو في الرابعة من عمره يحتاج فيها لرعاية الأبوين وتوجيههما، فعلماء النفس يؤكدون دور الأبوين في السنين الخمس الأولى من عمر الأطفال، حتى أن بعضهم أرجع كل ما يمر به إنسان من خبرات وردود أفعال تجاه المواقف والأزمات التالية في حياته إلى تلك المرحلة العمرية.-إقصاء الطفل عن أبويه في هذه المرحلة يورث الابن الجحود والجفاء تجاه والديه، ولن يتعامل معهما إلا على أنهما غريبان ومصدرًا للمادة فقط (يمكنك الاطلاع على مقال بريد الجمعة الذى يكتبه الأستاذ عبد الوهاب مطاوع والذي نشر بتاريخ 14-9-2001 بعنوان "وقع المفاجأة").-سيشعر الطفل بعدم الأمان، وبالتخلي عنه، وهو ما يفقده الثقة بكما، ولن يفهم أو يقدر أنكما فعلتما هذا من أجله ولمصلحته. -المغالاة في طلباته المادية كنوع من الثأر والانتقام؛ لأنكما تخليتما عنه، فضلاً عن دلاله على جدته، وكلنا يعلم كيف يتعامل معظم الأجداد مع أحفادهم فيما يختص بتلبية الرغبات والتدليل إلى حد الإفساد.-وأما بالنسبة لكما فشعوركما بالحنين لابنكما من ناحية، والذنب من ناحية أخرى لإقصائه عنكما، سيجعلكما تقومان بعملية تعويض لكما وللابن، وسيتمثل هذا في تلبية رغباته المادية، وإغداقه بالهدايا، وتفريغ شحنة عاطفية ستتمثل في مزيد من التدليل.-عدم متابعة الطفل نفسيًّا ومعنويًّا سيؤدي إلى فساده خلقيًّا حتى لو كان يدرس الأخلاق ضمن مناهج التعليم، وخاصة وأنت ترغب في أن يستمر في استكمال تعليمه بعيدًا عنكما، إلى أن يبلغ الطفل ثمانية عشر عامًا، أي حتى يصبح شابًّا، وما أدراك ما خطورة هذه المرحلة إذا لم يسبقها إعداد تربوي جيد.ثِقْ سيدي أنني أقدِّر تمامًا ما أنت بصدده، فهي مشكلة حقًّا أن يتعلم ابنك في بلد أجنبي، حيث اختلاف البيئات والعادات والثقافات فضلاً عن الدين، ولكن لا مفرَّ من أن تبحث في هولندا – بلد الإقامة – عن مدرسة إسلامية يتعلم ابنك فيها أو يتعلم في المدارس الهولندية، مع متابعته، وتفقد أحواله، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، مع تعليمه بالمنزل اللغة العربية، والعلوم الشرعية، ويمكنك التماس المساعدة من أحد المسلمين القاطنين في هذا البلد، والاستعانة ببعض المواقع العربية والإسلامية على "الإنترنت". أعرف أن الأمر يبدو شاقًّا، لكنه ممكن، وخاصة إذا توفرت الغاية النبيلة، والعزيمة الصادقة.