مشاكل تواجة الفرد في اوروبا

حقوق الفرد وحريته وخياراته في نطاق هذه الجاليات، تعاني من نظمالسيطرة والثقافة الأبوية رغم أن هذا الفرد يعيش في مجتمع أوروبي. أي أن الفردالمنخرط في جاليته (شبه المنعزلة عن المجتمع الواسع) يشعر وكأنه يعيش في مجمتعهالأصلي بأعرافه وضغوطاته وإكراهاته, إلى جانب ما يشعر به من دفء وانتماء وجو تعاونيتوفره له تلك الجالية. باختصار: الفرد العربي أو المسلم يشعر بفضاء حرية أوسعولائحة حقوق أكثر تقديراً لحريته في المجتمع المضيف عما يشعر به داخل جاليته. لكنه يشعر باغتراب أكثر وتمزق في الولاء والهوية عندما ينخرط أكثر في المجتمع المضيف, فيُبقى قدماً له في فضاء جاليته, وقدماً آخر في المجتمع المضيف. أو يتوصل كل فردإلى معادلته الخاصة في حل التناقض العميق بين الانتماءينالمسألة الأخرى التيتعاني من عدم فهم عميق في وسط الجاليات العربية والمسلمة وتؤثر بالتالي على علاقتهامع المجتمع المحيط هي مسألة الهوية. الهوية والانتماء والتشبث بكل ما من شأنه أنيؤكد التمايز والاختلاف عن المحيط والحرص على عدم الذوبان في المجتمع الغربي يصل فيكثير من الأحيان إلى عرض مرضي. كثير من أفراد وجماعات الجاليات العربية والمسلمةيسكنهم هاجس أقرب إلى الهلع والرعب إزاء المجتمع الغربي الذي يعيشون فيه, ويدفعهمللانعزال التام وتشكيل "غيتو" خاص بهم, بما يفرض السؤال الثقيل عن سبب إقامتهم فيهذا المجتمع وتحمل كل تلك المعاناة أساساً. لكن ما هو أهم من ذلك من ناحية نظرية هوأن مسألة الهوية والانتماء والهوس بهما هي مسألة ثقافية دينية تواجه المجتمعاتوالمجتمعات المنشقة على نفسها والتي تواجه أزمات من طبيعة خاصة وفي مرحلة تاريخيةمعينة, وينطبق ذلك على مجتمعات العرب والمسلمين وكثير من مجتمعات العالم النامي, لكنه لا ينطبق على المجتمعات الغربية. في أكثر المجتمعات الغربية لا تشكل مسألةالهوية والانتماء مسألة ملحة على المستوىالفردي أو الجماعي, بل إن المنطقالليبرالي الغربي يعتبر أن من الإنجازات المجتمعية الكبرى التي حققها هو تخفيضمستوى الهوس بالهوية إلى الحد الأدنى, مقابل رفع مستوى الحقوق الفردية والحريةالفردية إلى الحد الأعلى.
وبمعنى ما، فإن المجتمعات الغربية تعرف من قبل كثير منالليبراليين بأنها, نظرياً, مجتمعات لا هوية لها أو هكذا يجب أن تكون, وهذا هو منبعقوتها. ورغم أن هذا ليس متحققاً بالمعنى الليبرالي الكامل, فإنه من الصحيح أن الهوسبالهوية لا نراه يلاحق كل فرد غربي كما هو حال الفرد العربي والمسلم سواء الذي يعيشفي الغرب أم خارجه. على ذلك فإن تعبيرات الهوية والثقافة والدين, سواء في الشكلالعام, أو اللباس, أو الطقس الديني, أو مظهر التجمع, أو طبيعة السلوك, أوالاستثناءات الدائمة سواء في بيئة العمل أو الدراسة أو سواهما على أسس "هوياتية" كلذلك لا يساعد إلا في إثارة المجتمع الأعرض ضد هذه الجاليات واعتبارها غير منسجمة معمحيطها.ورغم تغير الوضع الدولي العام ومعاناة الجاليات المسلمة في الغرب منارتدادات ما يحدث في العالم العربي والإسلامي, خاصة العراق, وفلسطين, وأفغانستان, وفي ضوء سياسات غربية (أميركية وبريطانية تحديداً) بائسة ومتوحشة في الحالاتالمذكورة, فإن الجاليات المسلمة وقادتها لم يستوعبوا كثيراً من الدروس. فإضافة إلىالزيادة الكبيرة في أعداد هذه الجاليات إما بسبب تضاعف معدلات الهجرة إلى البلدانالغربية (الشرعية وغير الشرعية), أو الزيادة الطبيعية, وما يثيره ذلك من تخوفات فيأوساط المجتمعات المضيفة, فإن مواقف الجاليات وخاصة قياداتها الحزبية الإسلاميةإزاء العديد من القضايا لم تخدم هذه الجاليات. فعلى سبيل المثال هناك تلكؤ في تكريسإدانة جماعية وثقافية ودينية للإرهاب الذي ينفذ باسم الدين وينسب للإسلاموالمسلمين, وهذا بالطبع يزيد من اغتراب الجاليات المسلمة في الأوساط الغربية, وبحيثيُصار لأن ينظر إليها على أنها "طابور خامس".