أزمات ومشكلات الجاليات المسلمة في الغرب

أزمات ومشكلات الجاليات المسلمة في الغرب آيلة إلى التفاقم سنةً إثر سنة, ولا يبدو أن ثمة حلولاً في الأفق قد تحول دون تطور مسارات مؤسفة. أحد أهم الجذور النظرية لتلك الأزمات هو عدم الفهم العميق المنتشر في أوساط تلك الجاليات لمسائل الحقوق والهوية والحرية الفردية كما توفرها المجتمعات المضيفة. المجتمعات الغربية تقوم على قواعد ليبرالية في النظرة إلى تلك المسائلوهذا يعني, من جملة ما يعنيه, إعلاء موقع الفرد والحرية الفردية مقابل الدولة وسلطتها. فالفرد هو "الأقنوم" المؤسس للتشكيل المجتمعي, وحريته هي المقدسة, واختياراته السلوكية والفكرية والسياسية والدينية هي ما تجهد القوانين والتشريعات للحفاظ عليه. في المقابل تتحوصل الجاليات المسلمة على نفسها على قاعدة "حقوق الجماعة" وليس حقوق الفرد. فالمطالب والهموم والمشاعر وفهم هذه الجاليات لنفسها يقوم على قاعدة "جماعاتية". وهناك فهم نظري مغلوط داخل هذه الجاليات يقوم على إلزام المجتمعات الغربية المضيفة باحترام حقوق الجالية كـ"جماعة" وليس كمجموعة من الأفراد المستقلين. وبشكل أكثر توضيحاً، فإن المنطق الليبرالي الذي يقوم عليه المجتمع الغربي, نظرياً على الأقل, يدافع بوضوح وقوة أخلاقية وقانونية عن حرية الفرد المسلم (وأي فرد آخر بالطبع) في أن يمارس شعائره الدينية, وأن يوفر له الأسباب التي تتيح له تلك الممارسة من دون خوف أو تمييز. لكن هذا المنطق لا ينطبق بنفس الوضوح والقوة عند تطبيقه على "جماعة الجالية المسلمة", فهذا المنطق وبالتعريف يريد تعزيز قوة الأفراد إزاء الدولة وإزاء الجماعات والولاءات الجماعية. لكن إذا كان الفرد نفسه يعتقد أن جزءاً من حريته الدينية والاعتقادية الفردية يتضمن الانتماء إلى جماعة ما, وإلى المسجد مثلاً, وإقامة طقوس وعلاقات جماعية, فما هو الحل الليبرالي الغربي في هذه الحالة؟ هنا يرتبك الجواب ويتفرع بحسب المجتمع المضيف نفسه. وعملياً وللإيجاز فإن المجتمعات المضيفة تبنت واحداً من خيارين, مع تنويعات مختلفة بينهما. الأول هو خيار التعددية الثقافية (كما في بريطانيا وهولندا مثلاً), حيث منحت الجماعات الإثنية والدينية حقوقاً تكاد تماثل حقوق الأفراد, وتم التعامل معها ومع مطالبها الهوياتية بحساسية كبيرة. وعلى هذه القاعدة واستثماراً لأفق الحرية العريض، انتشرت المساجد والجمعيات الخيرية وهيئات إسلامية عديدة ثقافية وسياسية وسواها لا يمكن أن نراها في غالبية الدول العربية والإسلامية. الخيار الثاني هو تطبيق مبدأ الاندماج, كما في فرنسا على وجه التحديد, حيث تمترست الدولة بالمنطق الليبرالي الأولي وهو التعامل مع الأفراد بكونهم أفراداً, وليس أعضاء في جماعة أوسع. وعلى اعتبار أن جماعتهم الأوسع هي المجتمع الفرنسي نفسه. لكل واحد من هذين الخيارين إيجابياته وسلبياته, وهذا حديث آخر, لكن هنا نبقى في إطار ما يحدث في داخل الجاليات العربية والمسلمة.